لم أخطط للخوض في ملف الأراضي في عدن، رغم معرفتي بحساسيته، لكن ما تعرضت له مؤخرًا كان كافيًا ليجعلني أكتب. تقدمت بطلب لاستكمال بناء الدور الرابع فوق منزل قائم منذ أكثر من عشر سنوات وبأوراق ووثائق رسمية، لكن الرد كان واضحًا ومباشرًا من الاخ فريد العطفي،نائب قائد وحدة حماية الأراضي عدن:
“لا نستطيع… هناك توجيهات من المحافظ.”
تقبلت الأمر مضطرًا، لكن الصدمة جاءت عندما شاهدت قبل أيام العمارة التي تظهر في الصورة المرفقة، وهي في طور الإنشاء، داخل نفس الحي والمربع السكني الذي أقيم فيه. لحظتها عاد السؤال الذي حاولت تجاوزه:
إذا كانت هناك توجيهات تمنع البناء، فلماذا طُبقت عليّ وحدي.
ولماذا يُسمح لآخرين بالاستحداث والبناء بينما يُمنع من يرغب فقط في استكمال دور فوق منزل قائم،ما هي المعايير،ومن يضعها،ومن يقرر أن هذا يُمنع وهذا يُسمح له.
قائد وحدة حماية الأراضي صديقي، وأكن له كامل الاحترام، وأعرف أنه يعمل وفق التعليمات التي تصل إليه. لذلك لا أضع اللوم عليه، ولا أريد أن يفهم أحد أنني أحمّله المسؤولية. المشكلة ليست في المنفذين… المشكلة في مصدر التوجيه ذاته، في الطريقة التي تُدار بها الأمور بحيث يصبح المواطن الطرف الأضعف دائمًا، والطرف الذي يتحمل كل شيء دون أن يجد من يسمع له.
أما ما يتعلق بتصاريح البناء، فالجميع يعرف — ولا حاجة للإنكار — أنها باتت ترتبط برسوم ومبالغ تثقل كاهل المواطن. ومن غير المنطقي أن يتحول استكمال غرفة أو دور فوق منزل قائم إلى عبء مالي كبير، بينما آخرون يستطيعون بناء عمارات كاملة دون أن يواجهوا أي عائق. هذا واقع يراه الناس كل يوم، ويتحدثون عنه في بيوتهم وأسواقهم وجلساتهم.
حين جاء المحافظ لملس قبل أعوام بحجة تنظيم ملف الأراضي مؤقتاً ومنع العبث، ظن الناس أن الهدف سيكون حماية أراضي الدولة والحد من الفوضى . لكن النتيجة اليوم تقول شيئًا آخر:
المواطن أصبح هو المقيّد، بينما الأراضي التي كان يفترض معالجتها بقيت على حالها، بل إن أزمة جديدة ظهرت وأرهقت الناس أكثر… وكأن الهدف تحصيل المال من المواطن بدل تنظيم الملف.
استمرار هذا النهج سيؤدي إلى شرخ اجتماعي خطير، إلى تقسيم الناس إلى طبقات:
فئة تستطيع تجاوز كل القيود، وفئة تُمنع حتى من ترميم سقف بيتها.وهذا ليس عدلًا، ولا استقرارًا، ولا يمكن أن يُبنى عليه أي مشروع وطني يحترم الناس وحقوقهم.
وبصفتي صحافياً ومناضلاً جريحاً… أصبت بطلق “دوشكا” في حرب 2015.ولا تزال مضاعفاته ترافقني حتى اللحظة، فإنني أكتب ليس من باب المزايدة، بل من باب الواجب.فنحن لم نقدم الدماء كي نخسر اليوم أبسط حقوقنا… الحق في السكن، في البناء، في أن يكون للإنسان سقف يطوّر فيه معيشته دون أن يدفع أضعاف قدرته.
هذا الكلام لا أقوله لأجلي فقط، بل لأجل آلاف المواطنين الذين يواجهون الإجراءات نفسها، ويتم حرمانهم من أبسط حقوقهم بسبب توجيهات غير مفهومة ولا تُطبق بالتساوي.
ومن حق الناس — كل الناس — أن يعرفوا لماذا فُرضت هذه السياسات، ولماذا تُطبق على البعض دون غيرهم، ولماذا أصبح المواطن المتضرر هو آخر من يؤخذ رأيه بالحسبان.
المسؤول الأول أمام الله والناس هو المحافظ، وهذا موقع يتحمل صاحبه واجب الشرح والمساءلة، وليس فقط إصدار التعليمات.
وإذا لم تتم مراجعة هذا الملف بجدية، فستتسع الفجوة بين المواطن والسلطة، وسنصل إلى مرحلة يصبح فيها كل شخص يشعر بأنه مظلوم في مدينته، وغريب داخل منزله.
إنني أطلب من الجميع الاهتمام بهذا الموضوع الذي يمس أكبر شريحة من أبناء عدن.
الانتصار للمظلومين واجب وطني… ومن يتجاهل صوت الناس اليوم سيخسرهم جميعًا غدًا. وحتى ذلك الحين، نودعكم… وللحديث بقية.