في لحظة إقليمية شديدة السيولة، ونظام دولي يتسم بقدر كبير من الغموض يبرز اليوم الرئيس عيدروس قاسم الزبيدي بوصفه فاعلاً سياسياً استثنائيا، لا يكتفي فقط بقراءة التحولات، بل يحسن توظيفها لإعادة رسم وترتيب موازين القوة في الجنوب العربي. فإعلان استعادة السيطرة على حزام النفط والموارد والموانئ والمنافذ البرية في حضرموت والمهرة بل والأصح تحرير هذه المناطق المهمة من سيطرة قوى الاحتلال لا يمكن قراءته كخطوة أمنية أو إدارية معزولة، بل يقرأ في سياق التحرك الاستراتيجي المدروس والذي يندرج ضمن مشروع أوسع لاستعادة الدولة الجنوبية على أسس جديدة من القوة والشرعية والفاعلية الإقليمية.
الرئيس القائد: من ساحات القيادة الميدانية إلى ساحات الفعل الاستراتيجي الفاعلة
اتسمت تجربة الزبيدي منذ بروزه في المشهد الجنوبي بقدرته على الجمع بين الشرعية الشعبية، المتأتية من تمثيله لقضية جنوبية متجذرة، والقدرة على بناء أدوات قوة صلبة على الأرض. ومع استكمال السيطرة على الموانئ وحقول النفط والموارد الحيوية، ينتقل المجلس الانتقالي الجنوبي تحت قيادة الزبيدي من موقع الدفاع السياسي إلى موقع المبادرة الاستراتيجية وصناعتها. فامتلاك مصادر الثروة ومفاتيح الجغرافيا الاقتصادية لا يعزز فقط من قدرة الجنوب على إدارة شؤونه، بل إنه يمنحه أيضاً أوراق تفاوض حقيقية في أي مسار سياسي تفاوضي قادم.
حضرموت والمهرة… حزام النفط والموارد والموانئ الذي يغير من معادلات النفوذ
تمثل محافظتي حضرموت والمهرة قلباً جيوسياسياً بالغ الأهمية والحساسية. فهاتان المحافظتان تشكلان الامتداد الساحلي الأطول على بحر العرب، والبوابة البرية المفتوحة على سلطنة عُمان، ومجالاً حيوياً لطموحات قوى إقليمية ودولية. وبالتالي فإن إدراك الزبيدي لأهمية هذا الشريط الساحلي جعله يتعامل معه ليس فقط بوصفه عمقاً جنوبياً، بل كعنصر حاسم في معادلة الأمن الإقليمي.
كما إن إحكام السيطرة على هذه المناطق يقطع عملياً خطوط إمداد غير معلنة، ويحد من قدرة إيران على استخدام الفراغات الجغرافية لتمرير النفوذ والسلاح، ويعيد ضبط الإيقاع الأمني والعسكري في واحدة من أكثر مناطق في الجنوب حساسية.
الرئيس القائد ومواجهة سياسة الضغوط… اختبار الدهاء والحنكة السياسية
إن المتابع لهذه التحركات البطولية التي قادها الرئيس القائد سيجد أنها لن تمر دون ردود فعل وضغوط سياسية وإعلامية، في محاولة واضحة لدفع القيادة الجنوبية، وعلى رأسها الزبيدي، للتراجع أو القبول بتسويات تُفرغ هذه الإنجازات من مضمونها. غير أن ما يلفت في أداء الزبيدي هو قدرته على إدارة هذا الضغط بهدوء محسوب، دون الانزلاق إلى مواجهات عبثية أو تنازلات استراتيجية.
فهنا تتجلى الحنكة السياسية في الموازنة بين الصلابة في الأهداف والمرونة في التكتيك، وبين الحفاظ على التحالفات الإقليمية وعدم التفريط بالثوابت الجنوبية وهذا ماتجلى بشكل واضح في استقبال الوفد العسكري الاماراتي – السعودي وإصرار القيادة على الحفاظ على هذه المكاسب الاستراتيجية عبر عدم التنازل وابقاء القوات المسلحة الجنوبية كضامن فعلي للأمن وقطع شريانات إمداد وتغذية الحوثيين والجماعات المتطرفة بالمواد المهربة .
صناعة التوازن مع الحوثيين في لحظة النشوة المؤقتة
جاءت هذه التحركات في توقيت بالغ الدقة والأهمية، تزامناً مع حالة النشوة التي حاول الحوثيون تصديرها عقب وقف إطلاق النار في غزة، ووقفهم التصعيد في البحر الأحمر بعد استثمار شعار “إسناد غزة” سياسياً وإعلامياً.
إلا أن إعادة رسم خارطة النفوذ في الجنوب، وبسط السيطرة على الموارد والمنافذ، يعيد خلق حالة توازن في المشهد الصراعي مع الحوثيين. فامتلاك الجنوب لقوة عسكرية منظمة، واقتصاد موارد ناشئ، وجغرافيا متماسكة، يحد من قدرة الحوثيين على فرض أنفسهم كقوة الأمر الواقع الوحيدة والمهيمنة، ويكسر معادلة الابتزاز السياسي التي طالما استندوا إليها.
البعد الاخر يتمثل في اطلاق الانتقالي تحت قيادة الرئيس القائد عملية اجتثاث الإرهاب وبؤره في أبين في رسالة واضحة أن الانتقالي شريك مهم وأساسي في مكافحة الإرهاب والتطرف.
الجنوب العربي كرافعة استقرار إقليمي ودولي
من زاوية أوسع، لا تخدم هذه التحركات الجنوب وحده، بل تتقاطع بوضوح مع مصالح دول الخليج والعالم. فاستقرار الموانئ الجنوبية، وتأمين خطوط الملاحة، وحماية الطاقة الدولية، ومنع تحول السواحل والمنافذ البرية إلى قنوات تهريب ونفوذ معادٍ، كلها أهداف تتسق وتنسجم بدرجة كبيرة مع أولويات الأمن الإقليمي والدولي.
وهنا يقدّم القائد الفذ الزبيدي الجنوب لا كعبء سياسي أو أمني، بل كجزء من الحل، وكشريك فاعل في حفظ التوازن والاستقرار في واحدة من أكثر مناطق العالم اضطراباً وهو مايتسق أيضاً مع المصالح الأوربية والأمريكية.
السيطرة على الشرق لحظة تحول استراتيجي لإن إمتلاك عناصر القوة وحدها المؤهلة للاعتراف الدولي
إن امتلاك الأرض، والسيطرة على الموارد، وبناء قوة عسكرية منضبطة، إلى جانب قيادة سياسية قادرة على مخاطبة الخارج بلغة المصالح لا الشعارات، كلها عناصر تشكّل الأساس الموضوعي لأي اعتراف دولي مستقبلي وهذا ما يفعله ويمارسه الرئيس الزبيدي.
فالشرعية في النظام الدولي المعاصر اليوم لم تعد تُمنح فقط عبر النصوص، بل تُنتزع عبر القدرة على الإدارة، وتوفير الأمن، وضمان المصالح المشتركة. كما أن الشرعية اليوم يجب أن تعطى لمن يسيطر على الأرض والموارد وليس لمن يملك الختم فقط وفي هذا السياق، يتحرك الزبيدي بخطى محسوبة لتحويل مشروع استعادة الدولة الجنوبية من مطلب تاريخي ونضالي وشعبي إلى واقع سياسي قابل للتدويل.
خاتمة
في المحصلة، لا يمكن فهم دور الرئيس القائد عيدروس الزبيدي اليوم إلا بوصفه قائداً يستثمر الفرصة السياسية بإدراك وحنكة، ويقرأ التحولات الإقليمية بوعي استراتيجي، ويعيد توجيه بوصلة الصراع بما يخدم الجنوب ويعزز موقعه في معادلة الصراع المحلية مع الشمال (الحوثي) والإقليمية عبر قطع الطريق عن إيران ورهاناتها المستمرة للوصول إلى بحر العرب عبر الأداة الحوثية بوصفها إمبراطورية فارسية مهيمنة.
إن السيطرة على حزام النفط والموانئ والمنافذ ليست نهاية الطريق، بل تمثل اليوم بداية لمرحلة جديدة تُبنى فيها الدولة الجنوبية على معادلة القوة المتوازنة، والحنكة السياسية، والقدرة على تحويل الجغرافيا من عبء إلى مصدر نفوذ واعتراف دولي مأمول . وإن غد الاستقلال والاعتراف الدولي بات قاب قوسين أو أدنى .