إن احترام المملكة العربية السعودية، وتقدير دورها في رعاية الحوارات، وتثمين الجهود التي تبذلها قادتها تجاه قضية الجنوب، والسعي لبناء علاقة متينة وراسخة بين الجنوب والسعودية؛ لا يعني أبداً، ولا تحت أي ظرف، تبرير القصف الذي حصل ضد القوات الجنوبية على أرضها، ولا حتى قرار حل المجلس الانتقالي، ولا القبول بالإساءات الإعلامية التي تطال الرموز الجنوبية من إعلامها، ولا التنكر لدور الإمارات الإيجابي الكبير خلال السنوات الماضية.
احترام السعودية لا يُختزل في الصمت عن الأخطاء، ولا يتحقق عبر التبعية أو الارتهان، بل يقوم على الصدق مع الذات، والوضوح مع الشعب، والصراحة مع الحلفاء. فالعلاقات الصحية بين الدول والشعوب تُبنى على المصارحة والاحترام المتبادل، لا على المجاملات الزائفة أو غضّ الطرف عن التجاوزات.
السعودية دولة شقيقة ومحورية في الإقليم، وقد سعى الجنوبيون منذ وقت مبكر إلى تعزيز علاقتهم بها، والعمل على كسر حالة التشويش والقلق التي صنعتها ـ لسنوات ـ بعض النخب اليمنية، وأحياناً حتى أطراف داخل السعودية نفسها، عبر تقديم صورة مشوهة عن الجنوب وقادته ومحافظاته وقضيته.
ولا توجد، في الأصل، عداوة بين الجنوب والسعودية، ولا مصلحة لأي طرف في خلق خصومة مفتعلة أو الانجرار نحو خطاب عدائي. إن الإيغال في الخصومة لا يخدم سوى القوى التي تتغذى على التوتر، بينما يظل الخيار العقلاني هو بناء علاقة قائمة على الاحترام المتبادل، والشراكة الواضحة، وحفظ الكرامة، وصون الدم الجنوبي، واحترام إرادة شعب الجنوب وقضيته.
السعوديون اليوم أمام فرصة تاريخية حقيقية لكسب شعب عظيم كشعب الجنوب، شعب أثبت عبر تاريخه وواقعه أنه شريك يمكن الوثوق به حين تُحترم إرادته وكرامته. وفي المقابل، فإن الجنوبيين أمام فرصة تاريخية لكسب حليف إقليمي كبير بثقل المملكة العربية السعودية، بما تمثله من وزن سياسي واقتصادي وديني، إذا ما تأسست العلاقة على الوضوح والاحترام المتبادل لا على الإملاء أو الوصاية.
وكما أؤكد دائما، فإن نتائج أي حوار سياسي، ومخرجات أي تحركات على الأرض، وطريقة إدارة الخلافات، إضافة إلى الحفاظ على النسيج الجمعي الجنوبي ومنع العبث به أو استنزافه، تُعد محددات أساسية وحاسمة لشكل المرحلة القادمة، ولمستقبل العلاقة بين الجنوب ومحيطه الإقليمي.
فإما أن تُدار هذه المرحلة بعقلانية ومسؤولية تفتح أفق الشراكة والاستقرار، أو يُفرّط بها عبر سياسات قصيرة النظر تعمّق الشكوك وتبدّد الفرص، وهي فرص قد لا تتكرر.