ليست المعارك الكبرى هي التي تصنع الدول… بل ما يأتي بعدها. قد تشتعل الجبهات، وقد تتبدل الخرائط، وقد تتساقط العناوين الكبيرة من نشرات الأخبار، لكن اللحظة الأخطر ليست لحظة سقوط مدينة، بل لحظة السؤال:
من يحكم؟ من يدير؟ ومن يستطيع أن يحوّل النصر العسكري إلى استقرار دائم؟
في اليمن، أي مواجهة فاصلة مع جماعة الحوثي — إن حدثت — لن تكون نهاية المشهد بالنسبة للجنوب، بل بدايته الجديدة. وهنا يقف الجنوب بقيادة الانتقالي أمام اختبار تاريخي:
هل سيكون مجرد متفرج على إعادة رسم الخريطة؟ أم شريكًا واعيًا في رسمها؟
في لحظات الصراع، يعلو صوت السلاح، ويخيّل للبعض أن المدفعية وحدها قادرة على صناعة المستقبل لكن التاريخ يهمس بحقيقة مختلفة إذ قد تتحول المدفعية الى خطر يهدد اذا لم يصاحبها مشروع يضبط اصواتها وهديرها. (وخير دليل على ذلك ما شهده الجنوب في مرحلة ما قبل التسعين اذ تحولت المدفعية والقوه الى وبال ذاق مرره الجنوبيين نتيجة عجز المشروع وعدم وأقعيته وجدواه وفشلة في حماية الدولة والمصير.): السلاح يحسم المعركة… أما المشروع فيحسم المصير.
اليوم يقف المجلس الانتقالي الجنوبي أمام لحظة فارقة، لحظة تتطلب أن يكون مشروعه السياسي أكثر وضوحًا وصلابة من أي ترسانة عسكرية. لأن الأمم لا تُبنى بالقذائف، بل تُبنى بالرؤية.
لماذا المشروع أولًا؟
المدفع يفتح طريقًا… لكن المشروع يحدد إلى أين نسير.
في بيئة معقدة مثل اليمن، حيث تتقاطع المصالح الإقليمية وتتشابك الحسابات الدولية، لا يكفي أن تكون لديك قوة على الأرض.
الدرس الذي يجب ان نتعلم من تجارب الصراع خلال المراحل السابقة كيف استطاعت جماعة الحوثي مواجهة خصومًا كُثر، لكن ما مكّنها من الصمود ليس السلاح وحده، بل وجود فكرة مركزية تجمع أتباعها.
وهنا تكمن الفكرة: هل يمتلك الجنوب فكرة جامعة بالوضوح ذاته، ولكن بروح دولة حديثة لا بروح جماعة؟ المشروع الذي لا يتسع للجميع، يتحول إلى انقسام. أما المشروع الذي يبني عقدًا اجتماعيًا جامعًا، فيتحول إلى دولة.
ما بعد صنعاء… فراغ أخطر من الحرب
التاريخ يعلمنا أن العواصم قد تسقط سريعًا، لكن الدول لا تُبنى بالسرعة نفسها وهو السيناريو الذي يذكرنا بماحصل بعد تحرير العاصمة عدن والمحافظات الجنوبية الاخرى.
ما بعد أي معركة كبرى يعني:
– فراغًا سياسيًا يحتاج من يملأه.
– معادلة شرعية جديدة تبحث عن من يجسدها.
– واقعًا اقتصاديًا هشًا يتطلب إدارة لا شعارات.
وهنا لا يكفي أن يكون لديك سلاح… بل يجب أن يكون لديك مشروع.
المشروع الذي يجب ان يحمله المجلس الانتقالي الجنوبي، ومعه بقية القوى الجنوبية، لن يُختبر في ساحة القتال فقط، بل في قدرته على تقديم نموذج حكم منضبط، واقعي، قابل للحياة. الجنوب يحتاج جاهزية دولة… لا فقط حرارة موقف
مرحلة ما بعد المعركة مرتبط بعاملين اساسيين الاول هو ماستفظي عنة المعركة من نتائج, هل سيتم تحرير صنعاء ام لا. وثانيا بجهوزية الجنوبيين بمشروع قادر على اقناع الاخرين( الرباعية الدولية، مجلس الامن والاشقاء في الامارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية ومصر وغيرها) —ان تم تحرير صنعاء قد يكون الجنوب اقرب الى قبول الانخراط بدولة اتحادية، اما اذا فشل مسعى تحرير صنعاء فواقع انقسام فعلي الى ثلاث دول سيفرض نفسة غلى واقع الارض في اليمن بشكل عام —ما سيفتح أبواب تفاوض كبرى امام الجنوبيين. ومن يجلس إلى الطاولة لن يكون الأقوى صوتًا… بل الأكثر استعدادًا.
وهنا يأتي دور العامل الثاني في مدى جهوزية الجنوبيين بقيادة الانتقالي ودخولهم المرحلة القادمة بقوة حقيقية متمثلة في وجود رؤية دولة واضحة المعالم. يثبت قدرتهم على إدارة المؤسسات، لا فقط الجبهات. مطمئنًا للداخل ومفهومًا للخارج.
وما شهدته مرحلة ما بعد 20015 من عدم وجود مشروع سياسي جاهز ومتكامل وقابل للتطبيق، افقد الجنوبيين زخم النصر العسكري وما نتج عنه من تحول النصر العسكري إلى عبء سياسي ثقيل حملة الانتقالي على عاتقه بشكل كبير.
فما هو المشروع الذي يحتاجه الجنوب؟
المدفعية قد تُرهب الخصم… لكن المشروع وحده يُطمئن الشعب. فالرسالة الأهم هي إذا أراد الجنوب أن يكون رقمًا صعبًا في أي ترتيبات قادمة، فعليه أن يتسلح بـمشروع دوله. هذه هي معركة ما بعد المعركة.
المشروع ليس شعارًا عاطفيًا، بل وثيقة عملية تجيب عن أسئلة كبرى:
– ما شكل الدولة المنشودة؟ رؤية سياسية مكتوبة ومعلنة واضحة لمستقبل الدولة الجنوبية أو شكل الشراكة الوطنية. خطابآ سياسيًا موحدًا غير متناقض. وحدة صف حقيقية لا شكلية و مصالحة جنوبية داخلية تغلق أبواب الانقسام قبل أن يستغلها الآخرون *_فالانقسام في لحظة الحسم أخطر من أي خصم خارجي* .
– كيف ستدار الثروة والموارد؟ دفع الرواتب في موعدها. توفير الكهرباء والمياه. يواكبة إصلاح داخلي شجاع يواجه الفساد بلا مجاملة.
– كيف تُضمن العدالة والمواطنة؟ إقناع المواطن أن الغد أفضل من الأمس. فرض الأمن دون ظلم.
– كيف يُبنى جيش وطني غير مناطقي؟
– كيف تُدار العلاقة مع الإقليم، وفي مقدمته المملكة العربية السعودية؟ خطاب عقلاني يطمئن الداخل والخارج.
حين تكون الإجابات واضحة، يصبح السلاح وسيلة حماية للمشروع، لا بديلًا عنه.
الأمن أولًا… لأن الفوضى تبتلع الأحلام
إذا تبدلت الخريطة، فسيكون على الجنوب أن يتحمل مسؤولية أمنه بالكامل. قوات منضبطة ذات قيادة مركزيه واضحة، عقيدة موحدة تراعي المصالح الوطنية للجنوب مع مراعاة مصالح الجيران والاشقاء، بدون ازدواجية ولا صراع نفوذ.
عندها فقط ستدرك القوى الإقليمية، وفي مقدمتها الجيران الاشقاء، أن الجنوب ليس عبئًا أمنيًا… بل شريك استقرار. فالدول لا تدعم الفوضى، بل تدعم من يستطيع منعها.
الاقتصاد… معركة لا تقل شراسة
وأي كيان سياسي يسقط إذا عجز عن:
– دفع الرواتب
– تأمين الكهرباء والخدمات الاخرى
– إدارة الموارد
– ضبط الإيرادات
بعد المعركة ستبدأ معركة من نوع آخر:
– من يسيطر على الموارد؟
– كيف تُدار الموانئ؟
– كيف يُعاد توزيع النفط؟
الجنوب إن لم يكن مستعدًا بخطة مالية واقعية، فسيجد نفسه أسيرًا للضغوط، مهما كان موقفه السياسي قويًا. (والاحداث الاخيرة وماثلاها من تحسن للخدمات ودفع الرواتب خير دليل على تأثير المشهد الاقتصادي بغض النظر عمن كان يقف وراء ذلك!!!)
اللحظة تبدأ الآن… لا بعد سقوط صنعاء. الخطأ الأكبر أن ننتظر نتيجة المعركة لنبدأ التفكير. الاستعداد الحقيقي يبدأ اليوم:
– بمراجعة الأخطاء بصدق.
– بمحاربة الفساد بلا تردد.
– بالمساهمة بتحسين الخدمات ولو تدريجيًا.
– ببناء مؤسسات قادرة على الاستمرار، لا على الصمود المؤقت فقط.
المعركة القادمة — إن حدثت — ستكشف من يملك مشروع دولة… ومن يملك فقط رد فعل.
الجنوب أمام لحظة استحقاق، الجنوب لا يحتاج اندفاعًا عاطفيًا يحرق المراحل، ولا صمتًا طويلًا يفقد الثقة. يحتاج عقلًا باردًا يدير التوقيت، وقلبًا حارًا لا يتخلى عن الهدف.
ما بعد صنعاء لن يكون يومًا عاديًا في التاريخ اليمني. سيكون لحظة إعادة تعريف للشرعية، للسلطة، وللحدود. ومن يبني مؤسساته اليوم… سيجلس غدًا على طاولة رسم الخرائط. ومن يكتفي بانتظار صوت المدافع… قد يكتشف أن الخرائط رُسمت بدونه.
الجنوب أمام فرصة لا تتكرر كثيرًا في التاريخ. فإما أن يتحول من فاعل ميداني إلى مشروع دولة، وإما أن يبقى أسير لحظة عابرة في زمن التحولات الكبرى.