شكل خروج الأمارات من الحرب صدمة للكثير من الجنوبيين، فالاماراتيين اختلفنا أم اتفقنا معهم لكنهم قدموا الكثير واسندوا القوات الجنوبية بالمال والسلاح، نظموا،دعموا المجلس الجنوبي مع التحفظ عن الكثير من الاخطاء والاملاءات التي أثرت على الجسم السياسي الجنوبي ، فإذا أردنا مقاربة المشهد في الجنوب مقاربة تحليلية متماسكة فإن أول ما ينبغي التأكيد عليه هو أن التعقيد القائم اليوم ليس طارئا بل هو نتاج تفاعل مركب بين الداخل والخارج، بين تاريخ طويل من الحركات الوطنية، وتدخلات إقليمية لم تحسن دائما قراءة هذا التاريخ فالتدخل العسكري السعودي في حضرموت وما رافقه من استهداف للقوات الجنوبية، لم يؤد إلى تبسيط الأزمة كما روج، بل أسهم في تعقيدها، وأعاد طرح السؤال الجوهري هل يمكن هندسة القضايا الوطنية من خارج سياقها الاجتماعي والسياسي؟
المشكلة هنا لا تتعلق فقط بالأدوات، بل بطريقة النظر ذاتها إذ جرى التعامل مع الجنوب كملف قابل لإعادة الترتيب الإداري أو الأمني، متجاهلين أن هذا الفضاء شهد تشكل حركات سياسية ونضالية، بعضها ولد من رحم اللحظة، وبعضها يمتد إلى نهاية التسعينيات، مثل “حتم” واللجان الشعبية وتنسيقيات الحزب الاشتراكي في الجنوب وتاج ، قبل أن تتكاثر لاحقا تشكيلات سياسية متعددة هذه التراكمات على تباينها، لم تكن قابلة للاختزال في كيان واحد، ولا للإلغاء بقرار فوقي.
في هذا السياق، برز المجلس الانتقالي في السنوات الأخيرة بوصفه أقرب إلى جبهة وطنية جامعة ولم يكن جبهة وطنية بالمعنى الحقيقي ذلك بسبب الذاتية والانانية التي لم يتعافى منها العقل الجنوبي ،للأسف ، بالرغم من أنه ضم طيفا واسعا من المكونات والشخصيات التي التقت ولو مرحليا حول هدف استعادة دولة الجنوب ولم يكن هذا التشكل نتيجة تطور تنظيمي طويل بقدر ما كان استجابة لفراغ سياسي وحاجة ملحة لإطار جامع وقد رافق ذلك جهود حوارية، في الداخل والخارج، سعت إلى توسيع هذا الإطار وضم مزيد من المناضلين.
غير أن هذه التجربة، رغم أهميتها، لم تخل من اختلالات فقد غلبت على أدائها أحيانا نزعات ذاتية وقرارات ارتجالية، إلى جانب مظاهر وصاية وإقحام شخصيات لم تكن على مستوى التحدي ما أدى إلى نفور بعض المناضلين الحقيقيين ومع ذلك جرى التغاضي عن هذه الإشكالات لأن الهدف الأكبراستعادة الدولة ظل حاضرا كعامل توحيد يتجاوز أوجه القصور.
بالعودة للتاريخ فإن المملكة استخدمت حزب الرابطة في تأسيس حركة موج كأداة تخويفية لعفاش وحلت هذه الحركة لأسباب معروفة متعلقة بترسيم الحدود، ولكن اللجان الشعبية وحتم لم توقف فعلها الثوري في الداخل وهو مايؤكد أن الشعب لن يتخلى عن تطلعاته على الرغم ان الفعل الثوري السلمي كان انذاك أكبر أكبر من الجريمة في قانون الطغاة، ما حدث لاحقا من حل المجلس الانتقالي كشف حدود الرهان على المقاربات الفوقية،إذ إن محاولة تفكيك هذا الإطار، أو افتراض أن إنهاءه يعني إنهاء الفعل السياسي الجنوبي، اصطدمت بواقع مغاير حشود جماهيرية واسعة في ساحة العروض ومدن أخرى، عبرت عن أن القضية أعمق من أي كيان تنظيمي حتى القوى التي اختلفت مع المجلس من حيث الأداء، وجدت نفسها موضوعيا ضمن نفس الأفق السياسي وأكثر ثورية خوفا على القضية الجنوبية .
كما أن أحداث سيئون حيث خرج الشعب وأحرق صور قادة المملكة فاجأ العالم كله،كيف قالوا إن جماعة من القرود جاءوا من الجبال لاحتلال حضرموت؟ وما سبقها من خطاب يقلل من شأن العمل الثوري الميداني، أظهرت فجوة واضحة بين التقدير النظري والواقع الميداني، وهو ما دفع السعودية، على ما يبدو، إلى إعادة حسابات، وإن ظلت محكومة بعقلية تقليدية ترى السياسة بمنطق الغالب والمغلوب.
في ضوء ذلك تبدو المرحلة الراهنة مختلفة نوعيا، وتفرض مراجعة جادة فالمسألة لم تعد مسألة الدفاع عن كيان بعينه، بل إعادة بناء الفعل السياسي الجنوبي على أسس أكثر صلابة وهذا يقتضي، أولا أن تعيد المكونات التي كانت منضوية ضمن المجلس تنظيم نفسها بصورة مستقلة بما يمنحها قدرة أكبر على الفعل وثانيا أن تنفتح على المكونات التي بقيت خارجه، ما دام الجامع بينها هو الإيمان بالقضية الجنوبية.
هذا المسار لا يعني القطيعة مع الحوار، بل العكس الانخراط فيه بفاعلية، حتى لا يستخدم الغياب الجنوبي ذريعة لفرض نتائج لا تعبر عن الإرادة الجنوبية فالمشاركة هنا شرطا من شروط الشرعية السياسية بصورة أوضح أي انها سوف تدخل الحوار القوى التي لها ابعاد قبلية ومناطقية أو من حركات الإسلام السياسية التي ليس لها حدود وتؤمن بالخلافة المزعومة أو من حركات محمد عبدالوهاب التي هي أداه بيد دولة خارجية .
وفي حال أفضى الحوار إلى تسوية تعكس تطلعات الجنوبيين سواء في إطار دولة فيدرالية من إقليمين، أو عبر مسار يفضي إلى استفتاء يحدد المصير فإن ذلك سيكون إنجازا تاريخيا أما إذا جرى الالتفاف على هذه التطلعات، وفرضت خارطة الطريق التي لا تحظى بقبول جنوبي، فإن الرد لن يكون إلا برفض منظم سياسيا وشعبيا يعيد التأكيد على أن هذه القضية لا تحسم إلا بإرادة أصحابها.
وفي كل ذلك، ينبغي الحذر من اختزال القضية في أشخاص أو كيانات فالمجلس الانتقالي، رغم مركزيته في مرحلة معينة، يظل تعبيرا عن لحظة من لحظات الحراك، لا بديلا عن القضية ذاتها أما الاعتقاد بأن الحل يمر عبر أفراد بعينهم فهو تعبير عن قصور في الفهم السياسي لأن القضايا الوطنية بطبيعتها أكبر من الأشخاص وأبقى من التنظيمات.
خلاصة القول إن الجنوب اليوم أمام مفترق طرق إما إعادة إنتاج الفعل السياسي على قاعدة التعدد والتنسيق والاستقلال النسبي ثم تشكيل اطار جامع متعدد ، أو ترك الساحة لتوازنات تفرض من الخارج وفي الحالتين تظل الحقيقة الأهم أن إرادة المجتمعات حين تجتمع لا يمكن تجاوزها بل فقط تأجيل الاستجابة لها.