هناك من يحاول أن يصوّرنا بأننا انهزمنا في معركة أمام القوى الشمالية، وأن علينا رفع راية الاستسلام. ولن نرفعها.
هناك من يحاول أن يصوّرنا بأننا أعداء للمملكة، وأن المملكة مع القوى الشمالية ضد الجنوبيين. لم نفهم ذلك هكذا، ولم نسمع هنا في المملكة من قياداتها لا تصريحاً ولا تلميحاً، بل على العكس.
عندما جئنا إلى المملكة، كان ذلك بناءً على دعوة جاء فيها: (إن المملكة ترى أن القضية الجنوبية قضية عادلة، وأن لها بعدها التاريخي والاجتماعي، وأن المملكة مع الجنوب وأهله، ولن تتخلى عنهم). ولهذا لبّينا الدعوة.
مع الأسف الشديد، هناك قوى متطرفة شمالية، وربما إقليمية وعالمية، استغلت عداءها نحو الجنوب، واستغلت قربها من مؤسسات صُنّاع القرار في المملكة، وأوغرت صدرها ضد المجلس الانتقالي. وشارك، مع الأسف، بُعدُ بعض صُنّاع القرار في الانتقالي عن قلب عاصمة القرار العربي في تعميق هذا الفهم الخاطئ، لسبب واحد فقط، هو أننا كنا على ثقة بوجود اتفاق بين دول التحالف بأن دولة الإمارات هي من تدير الملف في الجنوب نيابة عن التحالف العربي، وهو أمر لم يتدخل فيه الانتقالي على الإطلاق؛ فعندما جاء التحالف العربي لدعم الشرعية، لم يكن المجلس الانتقالي موجوداً.
إننا هنا نؤكد أن المجلس الانتقالي الجنوبي لم يكن يوماً صنيعة أحد، وإنما هو ناتج اندماج لمعظم قوى الحراك الجنوبي والمقاومة الجنوبية، التي وُجدت قبل المجلس بأكثر من عقدين من الزمن. وأن المجلس الانتقالي لم ولن يكون إلا صديقاً وفياً للتحالف العربي وقيادته الممثلة بالمملكة العربية السعودية، وهو يعرف قدرها ومكانتها، ويعي جيداً أن مصالح الجنوب وهويته وجغرافيته وتاريخه تعزّز هذا الأمر، وقد سبق أن أكدنا منذ زمن أنها (مفتاح العالم).
كما يعي أنه يمثل حاملاً سياسياً مؤقتاً لقضية شعب الجنوب، وأن لديه شركاء جنوبيين يسعى للعمل معهم في اندماج أو تحالف، وأنه يمثل مرحلة انتقالية (ومن هنا جاءت تسميته)، وعند استعادة الدولة فإن الجنوب سيُحكم بالتوافق الوطني أو عبر صندوق الاقتراع.
إن التحريض ضد الجنوب، وضد شعب الجنوب، وضد قياداته وكوادره، وضد الأشقاء، أمر لا يخدم مصالح شعب الجنوب ولا مصالح دول الإقليم ولا جيران الجنوب، وبالذات المملكة العربية السعودية الشقيقة وسلطنة عُمان الشقيقة. وعلى الجنوبيين أن يعوا هذا الأمر جيداً، وأن يتصدوا للمحرّضين وأفكارهم ومخططاتهم.
إن ما حصل من خطأ أو سوء تدبير نتحمّله في الانتقالي، كما يتحمّله الأشقاء في المملكة والإمارات. إخوة نختلف، ولكننا لا نفترق. إننا في الانتقالي لسنا ملائكة، ولكننا أيضاً لسنا أصناماً تُعبد. ويجب علينا العمل على إيجاد حلول قد تكون صعبة، لكنها ضرورية؛ فمصالح شعوبنا وأمنها واستقرارها تستحق أن نجتهد معاً في إيجادها، بعيداً عن القوالب والأنماط الجاهزة، ودون تمترس.
إن خسارة قواعد الانتقالي وكوادره ليست في مصلحة الوطن، والبحث عن الحلول لكسبهم ليس خسارة.
إن الحكمة والذكاء مطلوبان في إدارة التوافق.
ولكن الدهاء يكمن في تجاوز الاختلافات وحلّها.
ثوابتنا:
استعادة دولة الجنوب العربي، دولةً فيدرالية مستقلة، حرة، كاملة السيادة.
الشعب في الشمال أشقاء، ولا عداوة لنا معهم.
شعب الجنوب هو من يختار من يمثّله، ولن تنقصه الحكمة في فعل ذلك.
علم الجنوب رمز هويته (وواهمٌ من يعتقد أنه سيقنعنا بإنزاله مؤقتاً ثم نرفعه لاحقاً؛ فهو مرفوع الآن بدماء الشهداء والجرحى والأرامل والثكالى والأيتام، ورفعه لا يشكّل خطراً على أي حل نهائي يقرره الجنوبيون، كما نسمع ونفهم من مختلف الأطراف المحلية والإقليمية والدولية).
الجنوب لكل أبنائه، وبكل أبنائه.
علاقات أخوية متينة مع دول الجوار والإقليم، وعلى وجه الخصوص والأهمية مع المملكة العربية السعودية، على قاعدة الاحترام والتقدير المتبادل والمصالح المشتركة وحسن الجوار.
يقول الفيلسوف الهندي كريشنامورتي (1895–1986م): «سألني أحدهم ذات يوم: لماذا تصرّ دوماً على اتخاذ الطريق الشاق؟ فأجبته: ولماذا تفترض أنني أرى طريقين؟».