ستة أعوام انسلخت من عمر الزمن، وفي مثل هذا اليوم، عرجت إلى السماء روح كانت للأرض وطناً.. روح الأخ علي صالح ناجي..
ستة أعوام مضت، فكأن الدهر قد شاخ في غيابك. اثنان وسبعون شهراً كالحات، ليلها أدهم لا فجر فيه، وساعاتها جوفاء يباب، قد نزعت منها بهجة الحياة، وسلبت منها روحانية الفضيلة، ويتمت من بهاء الخلق النبيل..
ستة أعوام انطوت، فغاب الصوت الذي كان للسكينة ناياً، وذبلت اليد التي كانت للعطاء غيماً هتوناً..
غاب الرجل الذي كان إنساناً فوق ما تطيق اللغة وصفاً، رجل أفنى عقوداً من عمره ينسج للآخرين من خيوط روحه أثواباً من الجمال، ويطعمهم من رغيف قلبه ما لذ وطاب..
ستة أعوام مرت، فهدت أركان مدرسة للأخلاق، وخبت شمس دروس في المروءة. غابت ابتسامة كان الحنان يسكن تقاسيمها، وخرس صوت شجي صادق كان لا يمل السؤال عن أحوال العباد، يطرق باب مريض ليبل ريقه بالمواساة، ويسند كتف مكلوم ليقيم صلبه بعد انكسار..
ستة أعوام عشنا فيها ظلمة اليتم وأنت أبونا، وعتمة التيه وأنت دليلنا. كنا نحسب أن رحيلك مؤجل، لأننا لم نبلغ بعد معشار ما غرسته فينا، ولأن الوصول إلى قامتك الأخلاقية سفر طويل يحتاج زاداً من جهاد النفس وصبر الأنبياء، وتضحيات تعجز عنها هممنا الكليلة..
ستة أعوام كاملة على رحيل الأستاذ الجليل، والأب الحاني، والأخ الذي كان سنداً، والصديق الذي كان وطناً.. النبيل الأبلج علي صالح ناجي، تغمده الله بواسع الرحمة وأسكنه الفردوس الأعلى.
وبعد ستة أعوام، نعود لنكتب بمداد من الحنين واللوعة، بنفوس ما زال ينخر فيها وجع الفقد كالسوس. فمثلك يا أبا محمد لا يعوض، وإن خدرنا أرواحنا بوهم التعويض. فتشنا في وجوه الخلق عن ملامح تشبه نبلك فعادت إلينا العيون خائبة حسيرة. صاحت بنا الدنيا، وقالت، كفوا عن البحث العبثي، فإن الله إذا جمع كل هذا الجمال في رجل، كسر القالب بعده..
وفي وقفة عند الذكرى السادسة، نطل من شرفة الذاكرة على بعض مآثرك التي كانت كالنجوم لا يحصيها العد..
كان الفقيد المناضل علي صالح ناجي، سليل جحاف الضالع، جنوبياً حتى النخاع، آمن بقضية أرضه كإيمانه بالله، وصان مبادئه صون العرض، وأتقن فن العيش مع الناس كأنه منهم ولهم..
كان أبا محمد، رحمة الله عليه، يحمل روح الأنبياء في تسامحه، وزهد الأولياء الصالحين في دنياه. عاش بيننا بسيطاً كالماء، نقياً كالغمام، جعل الزهد رداءه في كل تقلب من تقلبات الدهر. أحب الناس جميعاً، ومد يده للجميع دون أن يطلب شكوراً أو ينتظر ظهوراً. كريم إلى حد الإسراف في العطاء، عزيز نفس إلى حد الإباء، بأخلاق جعلت منه قبلة للقلوب ومثالاً لا يجارى.
أما نضاله، فكان الفقيد أبو محمد وقوداً للثورة وصمتاً للبذل. بذل وقته وماله وجهده قرباناً للجنوب، وكان في طليعة من مهدوا الطريق لانبثاق الحراك السلمي. بل كان من أبرز عناصر حركة “موج”. وما زلت أتذكر، حين انطلقت الحركة في المهجر، كيف كان هو الرجل الوحيد الذي فتح بيت شقيقه على مصراعيه، فحوله إلى خلية نحل ومكتب اتصال يستقبل مراسلات القادة في الخارج، ويصل ما انقطع بين المنفى والوطن. كل ذلك في زمن كانت فيه عيون مخابرات صنعاء كالذئاب الجائعة، تلاحق أنفاس الجنوبيين وتحصي عليهم همساتهم..
ما زلت أذكر عام 1995، حين جئت طالباً في جامعة عدن، وسكنت في منزله مع رفاق قدموا من الريف. كان يعمل ليله بنهاره، فاكس يستقبل الرسائل من قيادة “موج”، وآلة تصوير تخرجها أوراقاً، ويد تضعها في مظاريف، وعقل يدبر ألف حيلة لإيصالها إلى أصحابها في عدن وكل الجنوب..
كان نشاطه آنذاك مشنقة معلقة على باب داره، وحياته على كف عفريت من بطش سلطات الاحتلال.
وجعل من بيته في الضالع حصناً لأحرار “حتم”، وملاذاً لرجال المقاومة والحراك. كان البيت قبلة الثائرين، ومأوى للاجتماعات والسكن. فما كان من سلطات صنعاء إلا أن لاحقته وهددته، حتى بلغ الأمر بقائد لواء الحمزة “محمد عبدالله حيدر” أن أصدر أمراً بتفجير المنزل، لولا أن انتفض رجال المقاومة كالسد المنيع، فذادوا عنه بأرواحهم. وطورد في عدن حتى توارى عن الأنظار شهوراً طويلة..
قطعوا راتبه الوحيد، وجمدوه من عمله في رئاسة الجمهورية، فلم يصله درهم حتى يوم رحيله. وحرم من كل درجة وظيفية مستحقة نالها أقرانه، فكان عقابه لأنه اختار أن يكون مع شعبه.
ثم جاء الفجر الحزين، فجر الخميس، السابع من مايو 2020، فخطفه المرض من بيننا، ليسلم الروح إلى بارئها، تاركاً في القلوب جرحاً لا يندمل، وفي العيون دمعاً لا يجف..
نم قرير العين يا أبا محمد. فإن كنت قد رحلت جسداً، فروحك تسكن فينا، وسيرتك منارة لن تضل بعدها القلوب. رحمك الله رحمة واسعة، وأسكنك فسيح جناته، وإنا لله وإنا إليه راجعون..