من الدبلوماسية إلى رئاسة الحكومة.. قرارات في الأجور والتسويات والإيرادات، وحضور داخل مؤسسات الدولة، في بلد يضع كل مسؤول أمام اختبار يتجاوز حدود المنصب
في بلدٍ أنهكته الحرب، واستنزفت سنوات الأزمات قدرته الاقتصادية والإدارية، لم يعد الحديث عن الحكومة اليمنية مرتبطًا بمن يشغل المنصب فقط، وإنما بما تستطيع الدولة أن تنجزه من داخل مؤسساتها، وما يمكن أن تقدمه للمواطن في واحدة من أكثر المراحل تعقيدًا في تاريخ البلاد.
في هذا المشهد، جاء الدكتور شائع محسن الزنداني إلى رئاسة مجلس الوزراء بعد مسار طويل في العمل السياسي والدبلوماسي، وخبرة امتدت لسنوات داخل مؤسسات الدولة وفي مواقع دبلوماسية مختلفة، وصولًا إلى وزارة الخارجية ثم رئاسة الحكومة.
ومنذ توليه المنصب، دخل الزنداني إلى مساحة مختلفة عن العمل الدبلوماسي؛ مساحة تتعامل يوميًا مع الرواتب، والإيرادات، والخدمات، والوزارات، والموظفين، والاختلالات المتراكمة، إلى جانب الملفات السياسية والأمنية والعسكرية التي تحيط بالحكومة من مختلف الاتجاهات.
ويرى مراقبون أن تجربة الزنداني في رئاسة الحكومة بدأت تبرز من خلال مجموعة من الملفات التي أعيد تحريكها، خصوصًا ما يتعلق بالأجور والعلاوات والتسويات الوظيفية والترقيات العلمية والإيرادات والإصلاح المالي والإداري.
قرارات تمس حياة الموظف
في 19 مايو 2026، أقر مجلس الوزراء برئاسة الزنداني صرف بدل غلاء معيشة بنسبة 20 بالمائة لموظفي الدولة، إلى جانب معالجة التسويات الوظيفية المتوقفة منذ أكثر من 13 عامًا، وتنفيذ الأثر المالي للترقيات العلمية للكوادر الأكاديمية وأعضاء هيئة التدريس في الجامعات.
كما شملت الحزمة صرف العلاوات السنوية المستحقة للأعوام 2021–2024، ضمن إجراءات قالت الحكومة إنها تستهدف تحسين الأوضاع المعيشية وتعزيز الاستقرار الوظيفي والإداري.
ويرى متابعون أن أهمية هذه القرارات لا ترتبط بنسبة الزيادة وحدها، وإنما بكونها أعادت إلى الواجهة ملفات وظيفية ظلت معلقة لسنوات طويلة.
وبالنسبة للموظف، فإن العلاوة والتسوية والترقية ليست مجرد إجراءات إدارية، وإنما حقوق مرتبطة بدخله واستقراره الوظيفي وقدرته على مواجهة تكاليف الحياة.
وفي المقابل، يدرك المتابعون أن نسبة 20 بالمائة لا يمكن اعتبارها معالجة شاملة للأزمة المعيشية في ظل ارتفاع تكاليف الحياة وتراجع القدرة الشرائية، إلا أن تحريك الملف يمثل خطوة إدارية ومالية في اتجاه معالجة جزء من الاستحقاقات المتراكمة.
من القرار إلى التنفيذ
يؤكد مراقبون أن قيمة أي قرار حكومي لا تتوقف عند لحظة إعلانه، وإنما تظهر في مستوى تنفيذه ووصول أثره إلى المستفيدين.
وفي هذا السياق، لم يكتفِ رئيس الحكومة بإقرار حزمة الإجراءات المتعلقة ببدل غلاء المعيشة والعلاوات والتسويات، بل تابع الإجراءات التنفيذية المرتبطة بها داخل وزارة المالية.
ويرى مراقبون أن الانتقال من قاعة الاجتماع إلى المؤسسات التنفيذية يعكس محاولة لتعزيز المتابعة المباشرة للقرارات الحكومية، خصوصًا في الملفات التي تمس حياة الموظفين بصورة مباشرة.
وتزداد أهمية هذه المتابعة في ظل تراكم الإجراءات الحكومية خلال سنوات الحرب، حيث ظلت العديد من القرارات تواجه صعوبات مرتبطة بالموارد والإجراءات المالية والإدارية.
المال العام.. عنوان أساسي في تجربة الحكومة
يضع مراقبون ملف المال العام في مقدمة الملفات التي تحدد قدرة الحكومة على تنفيذ برامجها.
فالدولة التي لا تستطيع ضبط مواردها وتحصيل إيراداتها بصورة منتظمة تواجه صعوبة في تمويل الرواتب والخدمات وتنفيذ برامجها الاقتصادية والإدارية.
ومن هذا المنطلق، برز ملف الإيرادات والإصلاح المالي ضمن أولويات الحكومة، بالتوازي مع إجراءات تهدف إلى تعزيز التحصيل وترشيد الإنفاق وربط الموارد بالقنوات الرسمية للدولة.
ويرى مختصون أن ضبط الموارد يمثل أحد الشروط الأساسية لاستعادة قدرة المؤسسات الحكومية على أداء وظائفها، خصوصًا في ظل محدودية الموارد والضغوط الاقتصادية التي تواجهها البلاد.
كما أن انتظام الإيرادات الحكومية يظل مرتبطًا بصورة مباشرة بقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها تجاه الموظفين والمواطنين والمؤسسات.
الإيرادات الدبلوماسية.. الملف المعقد
ومن الملفات التي ارتبطت بمسار الزنداني خلال عمله في وزارة الخارجية ملف الإيرادات المرتبطة بالبعثات والقنصليات.
ويشير متابعون إلى أن إدارة الموارد المالية للبعثات الدبلوماسية تمثل جزءًا من منظومة الإدارة المالية للدولة، خصوصًا أن الرسوم والإيرادات التي تحصل عليها القنصليات ترتبط بالخدمات الحكومية المقدمة للمواطنين في الخارج.
ويؤكد مراقبون أن انتظام توريد الإيرادات إلى القنوات الرسمية للدولة يمثل جانبًا أساسيًا من جوانب حماية المال العام وتعزيز الرقابة المالية الأمر الذي بقي لسنوات طويلة في مهب جيوب الفاسدين.
ويرى متابعون أن إعادة تنظيم الموارد وربطها بالحسابات الرسمية يكتسب أهمية أكبر في الظروف الاقتصادية الراهنة، باعتبار أن كل مورد حكومي يمكن أن يسهم في تعزيز قدرة الدولة على تمويل خدماتها والتزاماتها.
من الدبلوماسية إلى قلب إدارة الدولة
لم يأتِ الزنداني إلى رئاسة الحكومة من خارج مؤسسات الدولة، بل وصل إليها بعد مسار طويل في العمل الدبلوماسي والسياسي.
فقد شغل مواقع دبلوماسية مختلفة، ومثل اليمن في عدد من العواصم والمنظمات الدولية، قبل أن يتولى وزارة الخارجية، ثم ينتقل إلى رئاسة مجلس الوزراء.
ويرى مراقبون أن هذه الخلفية تمنحه خبرة واسعة في التعامل مع الملفات السياسية والعلاقات الدولية، لكنها في الوقت نفسه تضعه أمام اختبار مختلف في رئاسة الحكومة، حيث تصبح الملفات اليومية للمواطن جزءًا أساسيًا من مسؤولياته.
فإدارة الحكومة تتطلب التعامل مع الاقتصاد والخدمات والرواتب والإدارة والموارد، إلى جانب الملفات السياسية والخارجية.
ويشير متابعون إلى أن الجمع بين الخبرة الدبلوماسية والمسؤولية الحكومية يمنح تجربة الزنداني طبيعة مختلفة، خصوصًا في مرحلة تتداخل فيها الملفات الداخلية مع التطورات الإقليمية والدولية.
الحضور داخل مؤسسات الدولة
من الملامح التي يشير إليها مراقبون في تجربة الزنداني حضوره داخل عدد من مؤسسات الدولة ومتابعته المباشرة للملفات الحكومية.
ويعتبر هؤلاء أن حضور المسؤول داخل المؤسسة التي يفترض أن تنفذ القرار يساعد على تقليص المسافة بين التوجيه والتنفيذ، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بملفات مالية وإدارية معقدة.
وفي بلد تراكمت فيه الإجراءات الحكومية وتعطلت فيه الكثير من الملفات بسبب الحرب والانقسام، يرى مراقبون أن المتابعة المباشرة تكتسب أهمية خاصة، لأنها تساعد في تحديد العقبات التي تحول دون تنفيذ القرارات.
ويشير متابعون إلى أن هذا الأسلوب لا يلغي الحاجة إلى إصلاح المؤسسات نفسها، لكنه يمكن أن يسهم في دفع الملفات العالقة وتحريك الأجهزة التنفيذية.
عدن.. مركز الحضور الحكومي
عاد الزنداني إلى العاصمة عدن في فبراير 2026 لمباشرة مهامه من الداخل، ومنذ ذلك الوقت شهدت عدن اجتماعات وفعاليات حكومية متعددة برئاسته رغم ما تشهده البلاد من حرب ليست بعيدة عن العاصمة عدن، وتجعله في مرمى الاستهداف.
ويرى مراقبون أن وجود رئيس الحكومة داخل البلاد، ومباشرته الاجتماعات والملفات الحكومية من الداخل، يمثل عنصرًا مهمًا في ظل الظروف السياسية والأمنية المعقدة التي يعمل فيها خصوصا مع غياب شبه كامل لمجلس القيادة الرئاسي.
كما أن الحضور الحكومي داخل مؤسسات الدولة، بحسب متابعين، يمنح الوزارات والجهات التنفيذية مساحة أكبر للتنسيق المباشر ومتابعة الملفات بدل الاكتفاء بالمراسلات والتوجيهات عن بُعد.
التعليم العالي.. معالجة الحقوق وبناء المستقبل
في ملف التعليم العالي، جاءت معالجة الأثر المالي للترقيات العلمية لأعضاء هيئة التدريس ضمن الحزمة الحكومية التي أقرت في مايو.
ويرى أكاديميون ومراقبون أن معالجة حقوق أعضاء هيئة التدريس تمثل جانبًا مهمًا من استقرار الجامعات، خصوصًا أن الكادر الأكاديمي يمثل أحد أهم مكونات مؤسسات التعليم العالي.
ولا يتوقف ملف الجامعات عند الحقوق المالية، إذ يرتبط أيضًا بالبحث العلمي والابتكار وتطوير المناهج ومواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات سوق العمل.
ويؤكد مراقبون أن الاستثمار في التعليم العالي والبحث العلمي يمثل استثمارًا طويل الأمد في مؤسسات الدولة وقدرتها على إنتاج الكفاءات والخبرات.
الإدارة.. من معالجة الملفات إلى بناء المؤسسة
لاشك أن الملفات التي بدأت الحكومة بقيادة الزنداني تحريكها لا تنفصل عن قضية أكبر تتمثل في إصلاح الجهاز الإداري للدولة.
فالتسويات والعلاوات والترقيات، رغم طابعها المالي، ترتبط أيضًا بتنظيم الوظيفة العامة وتعزيز العلاقة بين الموظف والمؤسسة.
ويشير متابعون إلى أن الإصلاح الإداري الحقيقي يحتاج إلى الانتقال من معالجة الملفات المتراكمة إلى بناء أنظمة مستدامة تضمن وضوح الإجراءات والحقوق والمسؤوليات.
ومن هذا المنظور، فإن معالجة ملف متوقف منذ سنوات تمثل خطوة مهمة، لكن الأثر الأكبر يظهر عندما تمنع الأنظمة الجديدة تكرار المشكلة نفسها مستقبلًا.
رجل الدبلوماسية أمام اختبار الداخل
بحسب متابعين فإن أبرز التحولات في مسيرة الزنداني تتمثل في انتقاله من إدارة ملفات السياسة الخارجية إلى مواجهة التفاصيل اليومية للحياة الحكومية.
فالدبلوماسية تقوم على التفاوض والتمثيل وإدارة العلاقات، بينما تتطلب رئاسة الحكومة إدارة الوزارات والمؤسسات والموارد والخدمات، إلى جانب التعامل مع الأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية.
ويشير متابعون إلى أن خبرة الزنداني الخارجية تمنحه مساحة واسعة في التعامل مع المجتمع الدولي، لكن نجاح التجربة الحكومية يرتبط أيضًا بمدى قدرة تلك الخبرة على خدمة الملفات الداخلية وتحويلها إلى سياسات وإجراءات ملموسة.
بين الحضور والنتائج
يجمع المراقبون أن الحضور الشخصي للمسؤول يمثل عنصرًا مهمًا في إدارة الأزمات، لكنه لا يمكن أن يكون بديلًا عن قوة المؤسسات.
فنجاح أي حكومة، بحسب قراءات إدارية وسياسية، يقاس بقدرتها على تحويل القرارات إلى أنظمة وإجراءات مستقرة، بحيث تستمر النتائج حتى مع تغير الأشخاص والمواقع.
ومن هنا، فإن متابعة الزنداني للملفات الحكومية يمكن أن تعطي دفعًا للعمل التنفيذي، بينما يبقى بناء المؤسسات القادرة على الاستمرار هو الهدف الأبعد للإصلاح.
تجربة في منتصف الطريق
بعد أشهر من توليه رئاسة الحكومة، بدأت ملامح تجربة شائع الزنداني تتشكل من خلال مجموعة من القرارات والتحركات في الملفات الاقتصادية والإدارية والخدمية والدبلوماسية.
ويرى متابعون أن تحريك ملفات الأجور والعلاوات والتسويات والترقيات العلمية، إلى جانب الاهتمام بالإيرادات والإصلاح المالي، يعكس توجهًا نحو معالجة بعض الملفات التي ظلت عالقة لفترات طويلة.
وفي الوقت نفسه، يؤكد مراقبون أن حجم التحديات التي تواجه الحكومة يجعل من المبكر اختزال التجربة في نتائج نهائية، خصوصًا أن الملفات الاقتصادية والخدمية والإدارية تحتاج إلى وقت وموارد وقدرة مؤسسية على الاستمرار.
فالمشكلة اليمنية، كما يصفها مراقبون، ليست مشكلة قرار واحد أو حكومة واحدة، وإنما تراكم طويل من الأزمات والاختلالات التي تحتاج إلى معالجة متدرجة ومستمرة.
الاختبار الحقيقي.. ما بعد القرار
يتفق غالبية الناس أن القيمة الفعلية لأي تجربة حكومية تظهر في النتائج التي تبقى بعد صدور القرارات.
فبدل غلاء المعيشة يصبح ذا قيمة عندما يصل إلى الموظف، والعلاوة تصبح ذات أثر عندما تتحول إلى حق منتظم، والتسوية تصبح ذات معنى عندما تنهي سنوات الانتظار، والإيراد يصبح موردًا عامًا عندما يدخل القنوات الرسمية ويخضع للرقابة.
كما أن الإصلاح الإداري لا يقاس بعدد الاجتماعات، وإنما بقدرة المؤسسة على العمل بصورة منتظمة حتى في غياب المسؤول.
ويرى مراقبون أن هذه المرحلة تمثل الاختبار الأهم لتجربة الزنداني؛ إذ إن نجاح أي توجه إصلاحي لا يرتبط فقط بقدرة الحكومة على إطلاق القرارات، وإنما بقدرتها على ضمان استمراريتها وتحويلها إلى ممارسة مؤسسية.
ملامح رجل الدولة
من الدبلوماسية إلى رئاسة الحكومة، قطع شائع الزنداني مسارًا طويلًا داخل مؤسسات الدولة، قبل أن يجد نفسه في مواجهة واحدة من أصعب مراحل العمل الحكومي في اليمن.
وخلال الفترة الماضية، ظهرت أمامه ملفات شديدة التعقيد، من الرواتب والعلاوات والتسويات، إلى الإيرادات والإصلاح المالي والإداري، مرورًا بالتعليم والخدمات والملفات السياسية والدبلوماسية.
ويرى مراقبون أن ما يميز قيادة الرجل للحكومة هو محاولة الجمع بين الحضور السياسي، والمتابعة التنفيذية، والخبرة الدبلوماسية في إدارة عمل الحكومة.
لكنهم يؤكدون في الوقت نفسه أن بناء الدول لا يتحقق بقرارات منفردة، وأن الطريق الحقيقي يمر عبر مؤسسات قوية، وموارد منضبطة، وإدارة فعالة، وخدمات تصل إلى المواطنين.
وفي بلد أنهكته الحرب وتراكمت فيه الأزمات، تظل قيمة أي تجربة حكومية مرتبطة بما تستطيع أن تتركه وراءها من مؤسسات أكثر انتظامًا، وقرارات أكثر قابلية للتنفيذ، وموارد أكثر انضباطًا، وحقوق أكثر وضوحًا.
ومن هذه الزاوية، تبدو تجربة شائع الزنداني اليوم تجربة لا تزال في طور التشكل؛ تجربة سيحدد أثرها النهائي ما ستنجح الحكومة في تحويله من قرارات وإجراءات إلى واقع مستقر داخل مؤسسات الدولة وفي حياة المواطنين.