يشهد اليمن في المرحلة الراهنة إعادة تشكل عميقة لموازين القوى السياسية والعسكرية خاصة في المحافظات الشرقية التي باتت ساحة مركزية للصراع والتفاوض الإقليمي. وفي ظل التحركات الواسعة للقوات العسكرية الجنوبية التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي في حضرموت والمهرة وشبوة، تتعمق الأسئلة حول ارتباط هذه التطورات بـ”مقاربة حل الدولتين”، والمواقف الدولية المتزايدة تجاه شكل المستقبل السياسي لليمن، إضافة إلى بروز شخصية الرئيس عيدروس الزُبيدي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي ونائب رئيس المجلس الرئاسي، كـفاعل رئيسي يحظى باهتمام واضح من القوى الدولية والإقليمية.
أولًا: تحركات الانتقالي الجنوبي من منظور سياسي–استراتيجي وعمق جيوسياسي
حققت قوات المجلس الانتقالي خلال الأسابيع الأخيرة تموضعًا استراتيجيًا واسعًا في المحافظات الشرقية، خصوصًا في وادي حضرموت والمناطق الحدودية مع المهرة. وبهذه التحركات، لا يبدو المجلس وكأنه يعيد رسم الخارطة الأمنية فحسب، بل يهدف إلى تثبيت “خطوط تماس جيوسياسية” جديدة تمهيدًا لمرحلة جديدة أكثر وضوحًا في التفاوض،هذا التموضع يهدف الانتقالي إلى تعزيز حضوره في المناطق الاستراتيجية الغنية بـ”مقومات الدولة الحيوية” (النفط، الغاز، الموانئ، والمنافذ الحدودية). والذي يحوّل القوة الجنوبية من قوة “مدافعة” إلى قوة “مالكة لأوراق الضغط الأساسية” في أي تسوية قادمة، ما يجعل أي اتفاق مستقبلي “غير قابل للتنفيذ دون أخذ المعادلة الجنوبية في الاعتبار.
كما إن التآكل المؤسسي لمؤسسات الدولة، وضعف فاعلية المجلس الرئاسي، والفساد المنهجي، كل ذلك جعل المجلس الانتقالي القوة الأكثر تنظيمًا وجاهزية عملياتية.
الاستعداد لمرحلة “ما بعد الاتفاق السعودي–الحوثي”:
يدرك المجلس الانتقالي الجنوبي أن أي اتفاق مرتقب بين السعودية والحوثيين سيعيد تشكيل خارطة النفوذ في اليمن، ولذلك يسعى إلى تثبيت وجوده الميداني في المحافظات الشرقية ومنع أي فراغ قد يُستغل من قوى أخرى. وتأتي هذه التحركات بالتوازي مع تعزيز القوات العسكرية الجنوبية التي أثبتت كفاءتها في مواجهة الحوثيين والإرهاب، سواء في جبهات الضالع والصبيحة ومكيراس أو في عمليات مكافحة القاعدة وداعش في أبين وشبوة. وقد أدى هذا الأداء إلى ترسيخ القوات الجنوبية كقوة موثوقة إقليميًا وقادرة على حماية السواحل والممرات البحرية والحدود، ما يجعلها طرفًا رئيسيًا في أي ترتيبات أمنية بعد الاتفاق. وبهذا، يسعى الانتقالي لاستعادة الدولة الجنوبية وتقديم الجنوب ككيان قادر على إدارة الأرض وضمان الاستقرار في الجنوب والمنطقة.
التحركات والعلاقة بـ”مقاربة حل الدولتين” شمالًا وجنوبًا
برز خلال العامين الأخيرين حديث واسع في الأروقة الإقليمية والدولية حول خيار ” “حل الدولتين” كأحد المسارات الواقعية لمعالجة الصراع اليمني، بعد “فشل نموذج الدولة الوحدوية “. ومن هذا المنطلق، تسعى قيادة المجلس الانتقالي لتكريس “واقع ميداني يضمن أن الجنوب يمتلك مؤسساته وقواته، بحيث يصبح خيار “الدولة الجنوبية” ليس مجرد طموح سياسي، بل “حقيقة و”خيارًا واقعيًا ومقبولًا دوليًا”.
الشرق هو مفتاح السيادة الاقتصادية والمفاوضات.
حضرموت والمهرة ليستا مجرد مناطق جنوبية؛ بل تمثلان “نقطة الثقل الاقتصادي للجنوب.
لذلك، فإن السيطرة الفعالة والمؤسسية عليها تعني أن الجنوب يمتلك “مقومات الدولة القابلة للحياة ما يُعزز موقفه في أي مفاوضات قادمة تتضمن استعادة الدولة الجنوبية بحدودها عام 1990م .
المجتمع الدولي يتعامل مع الجنوب ككيان مستقل فعليًا
خلال العام الماضي، تعاملت دول غربية مع الجنوب وقيادته باعتباره كيانًا سياسيًا فاعلًا، وليس مجرد طرف ضمن الحكومة الشرعية. وهذا يعزز مسار “حل الدولتين” باعتباره خيارًا يتم بناؤه تدريجيًا عبر الواقع وليس عبر إعلان رسمي، والنظر إلى موافف الرباعية الدولية (أمريكا – بريطانيا – السعودية – الإمارات)،نجد ان واشنطن بدأت تنظر إلى الجنوب باعتباره عنصر استقرار ضروري، خصوصًا في مكافحة الإرهاب وحماية الملاحة الدولية في البحر العربي وخليج عدن.
وتدرك الإدارة الأمريكية أن الجنوب — تحت قيادة المجلس الانتقالي — يمتلك قدرات أمنية أكثر انضباطًا من مؤسسات الدولة الضعيفة. لذلك، هناك انفتاح أمريكي أكبر على أطروحات الحلول الفيدرالية أو الثنائية.
وكانت لندن من أوائل الداعمين لفتح مسار سياسي يعترف بالقوى الفاعلة على الأرض، وهي تميل إلى رؤية حل مبني على “كيانات مستقرة”.كما تُظهر حوارات السفير البريطاني اهتمامًا متزايدًا بدور الانتقالي في أي ترتيبات سياسية مستقبلية.
أما الرياض الطرف الرئيسي والساعي لإنهاء الحرب، وتعتبر أن استقرار الجنوب شرط حتمي لتحقيق التهدئة مع الحوثيين ،لذا فهي تتعامل مع الانتقالي باعتباره القوة الأكثر قدرة على ادارة الدولة وضبط الجدود ، طالما يتم ذلك بالتنسيق معها.
أبو ظبي الحليف الرئيسي والمعلن للمجلس الانتقالي وتعتبره شريكا اسنراتيجيا موثوقا لضبط الامن والاستقرار وادارة الموانئ، ومحاربة التنظيمات الإرهابية،وتتوافق رؤيتها مع خيار “جنوب مستقر وقوي” كمسار طويل الامد.
رابعًا: مستوى الدعم الذي يحظى به الرئيس عيدروس الزُبيدي
يحظى الرئيس عيدروس الزبيدي باهتماما كبيرا من قبل كل الاطراف الدولية وصل الى حد الاعتراف الدولي به باعتباره قائدًا سياسيًا يمثل الجنوب وقوته الفاعلة. ويمكن تلخيص مستوى الدعم في ثلاثة مستويات:
1. الدعم الإقليمي
الإمارات: داعم مباشر للمشروع الجنوبي ولقواته.
السعودية: رغم تحفظاتها أحيانًا، إلا أنها تدرك أن الزُبيدي شخصية محورية في الجنوب ولا يمكن تجاوزها.
2. الدعم الدولي
أمريكا وبريطانيا تتعاملان مع الزُبيدي كقائد جنوبي ذي نفوذ حقيقي، خصوصًا في الملفات المرتبطة بأمن البحر الأحمر ومكافحة الإرهاب.
3. الحضور السياسي المتصاعد
زيارات الزُبيدي الخارجية ولقاءاته مع مسؤولين ودبلوماسيين عززت صورته كطرف سياسي لا يمكن تجاوزه عند صياغة أي حل.
اليمن أمام مرحلة إعادة تشكل شاملة
تشير مجمل التحركات إلى أن اليمن يتجه نحو نموذج جديد يقوم على كيانين سياسيين متوازيين:
شمال تحت سيطرة الحوثي.
جنوب تحت سلطة المجلس الانتقالي، مع حضور متزايد في الشرق،وفي ظل هذا التحول، قد يصبح مقترح “حل الدولتين” ليس مجرد رؤية نظرية، بل مسارًا يتم بناؤه تدريجيًا عبر تثبيت السيطرة الميدانية، واعتراف الأطراف الدولية بالقوى الفاعلة، والدفع نحو تسوية سياسية طويلة الأمد.