تثير عودة بعض الشخصيات إلى واجهة المشهد العام جملة من التساؤلات المشروعة حول طبيعة المرحلة المقبلة وأهدافها الحقيقية.
فالقضية لا تتعلق بالأشخاص بقدر ما تتعلق بالدور الذي يُراد لهم أن يؤدوه، والرسائل التي تحملها عودتهم في هذا التوقيت الحساس.
فهل تأتي هذه العودة في إطار مشروع وطني شامل يهدف إلى تحقيق مصالحة حقيقية، وردم فجوات الماضي، وتعزيز التوافق بين مختلف المكونات؟ أم أنها تمثل مقدمة لمرحلة أمنية أو سياسية جديدة قد تعيد إنتاج حالة الاستقطاب والتناحر التي عانى منها المجتمع لسنوات طويلة؟
هذا التساؤل يزداد أهمية عندما ترتبط بعض هذه الأسماء في الذاكرة العامة بمحطات شهدت خلافات وصراعات وانقسامات بين أبناء الوطن الواحد.
فهل جرى استدعاؤها للاستفادة من خبراتها في خدمة مشروع جامع، أم أن عودتها تحمل أدوارًا قد تسهم، بقصد أو بغير قصد، في إحياء حساسيات الماضي وتجديد الخصومات القديمة؟
ويرى مراقبون أن الإجابة عن هذه الأسئلة لا تكمن في الأسماء ذاتها، بل في طبيعة المهام الموكلة إليها، وحدود صلاحياتها، والأهداف المعلنة من حضورها في المشهد.
فإذا كانت العودة جزءًا من رؤية واضحة للمصالحة الوطنية وتعزيز الشراكة والتوازن، فإنها قد تمثل خطوة إيجابية نحو الاستقرار.
أما إذا غابت الرؤية الواضحة وبقيت الأهداف ضبابية، فإن المخاوف ستظل قائمة من احتمال إعادة إنتاج الانقسامات بأدوات ووجوه سبق أن ارتبطت بمراحل من التوتر والاحتقان.
كما أن إعادة تقديم بعض الأطراف دون غيرها قد تثير تساؤلات إضافية حول معايير الاختيار وأهدافه، خاصة إذا شعر البعض أن هناك محاولات لإعادة رسم موازين النفوذ أو استحضار اصطفافات تجاوزتها الأحداث والوقائع. فالمجتمعات الخارجة من الأزمات تحتاج إلى خطوات تبني الثقة وتوسع دائرة الشراكة، لا إلى إجراءات قد تُفسَّر على أنها انحياز لطرف دون آخر.
وفي ظل الظروف الدقيقة التي تمر بها البلاد، يبقى السؤال الأهم: هل نحن أمام مرحلة عنوانها المصالحة ولمّ الشمل وتجاوز إرث الماضي، أم أمام مرحلة قد تعيد فتح ملفات الخلاف وتوقظ دوافع الانتقام وتمنح الانقسامات فرصة جديدة للحياة؟
الإجابة عن هذا السؤال لن تحددها التصريحات ولا التبريرات، بل ستحددها الممارسات على أرض الواقع، ومدى قدرة المرحلة المقبلة على ترسيخ قيم العدالة والتوازن والشراكة، وتقديم مشروع وطني جامع يطمئن الجميع ويغلق أبواب الفتنة بدلًا من فتحها من جديد.