يعيش أبناء حضرموت اليوم حالة من القلق المشروع بسبب ما يرونه من تحركات يقوم بها محافظ حضرموت الخنبشي والتي تعيد في نظر الكثيرين مشاهد الماضي القريب الذي دفعت حضرموت ثمنه غاليا فالمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين وقد خبرت حضرموت تماما نتائج الوعود والشعارات التي رفعت سابقا وانتهت إلى الفوضى والانقسام وإضعاف المحافظة أمام مشاريع خارجية وجماعات كانت تبحث عن النفوذ على حساب المصلحة العامة
اللقاءات التي يعقدها المحافظ والتفاهمات التي تتم بين أطراف كانت في السابق جزءا من أسباب الأزمات التي شهدتها حضرموت لم تعد تمر مرور الكرام على أبناء المحافظة فقد أصبحوا أكثر وعيا بما يجري وأكثر قدرة على قراءة ما خلف المشهد خاصة حين تتكرر نفس التصريحات التي تتحدث عن قدرة حضرموت على إدارة شؤونها بمعزل عن محيطها وكأن المحافظة قادرة على مواجهة التحديات وحدها وهي أطروحة أثبتت التجارب السابقة أنها لم تخدم حضرموت ولم تحم استقرارها بل فتحت الباب أمام صراعات داخلية وثغرات استغلتها أطراف طامعة
ما يثير الريبة اليوم هو إعادة طرح خطاب حضرموت لأبنائها وكأن هذا الشعار قادر بحد ذاته على صناعة واقع أفضل بينما يعلم الجميع أن هذا الشعار هو ذاته الذي رفعه بن حبريش لسنوات طويلة وكانت نتائجه كارثية على حضرموت وعلى وحدة قرارها السياسي والأمني فقد أدى ذلك التوجه إلى خلق مساحات فراغ سمحت بتعطيل المشاريع التنموية وفتحت المجال لتدخلات خارجية وأوجدت حالة من الشلل الإداري والاضطراب الاجتماعي
لقد أصبح أبناء حضرموت أكثر حذرا تجاه أي مسؤول يكرر تلك الشعارات أو يتحرك في الاتجاه ذاته لأن التجربة السابقة رسخت لدى المجتمع الحضرمي أن طريق العزلة لا يقود إلا إلى مزيد من الضعف وأن المشاريع التي تبدو في ظاهرها محلية أو ذاتية تقود في باطنها إلى تمكين جهات لا تريد خيرا للمحافظة بل تطمح إلى التحكم في قرارها وثرواتها واستغلال خصوصيتها لخلق كيانات هشة يسهل توجيهها
إن تخوف أبناء حضرموت اليوم ليس من الأشخاص بقدر ما هو من المسار ذاته فمجرد استعادة الخطاب الذي مزق الصف الحضرمي في السابق لا يمكن اعتباره صدفة أو خطأ بل يراه الناس مؤشرا إلى أن المحافظة مهددة بالعودة إلى مربع الانقسام والتشرذم والتجارب أثبتت أن حضرموت لا يمكن أن تحمي نفسها ولا أن تتقدم إلا ضمن مشروع جامع يضع مصلحة المحافظة فوق الحسابات الشخصية وأعلى من أي تحالفات ضيقة
ومع أن أبناء حضرموت معروفون بالحكمة والتروي إلا أن الذاكرة الجمعية لا تزال تحتفظ بكل ما ترتب على تلك الشعارات من معاناة فليس من المنطقي أن يقبل الحضارم اليوم بالعودة إلى المرحلة نفسها التي أثقلت كاهلهم وأوصلتهم إلى حدود الانفجار الأمني والسياسي ولذلك فإن ردود الفعل الشعبية تجاه التحركات الأخيرة تعكس إدراكا عميقا بأن المحافظة تحتاج إلى مشروع واضح ومستقر لا يعيد تدوير الأخطاء ولا يعيد إنتاج الأزمات
وفي النهاية فإن حضرموت اليوم أمام مفترق طرق فهي إما أن تختار المسار الذي أثبت نجاحه والمبني على الشراكة والتكامل مع محيطها الجنوبي الطبيعي أو أن يسمح البعض بعودة أصوات الماضي التي لم تجلب للمحافظة إلا الضعف والعزلة وأبناء حضرموت لن يقبلوا بأن يعاد إنتاج المعاناة تحت شعارات براقة فقد أصبح الوعي الشعبي أكبر من أن تنطلي عليه تلك الأسطوانة التي يدرك الجميع أنها لم ولن تخدم حضرموت