إعلاميّ ومثقّف سعوديّ، رئيس التحرير الأسبق لصحيفة «الشّرق الأوسط» ومجلة «المجلة» والمدير العام السابق لقناة العربيّة. خريج إعلام الجامعة الأميركية في واشنطن، ومن ضمن الكتاب الدائمين في الصحيفة.
هكذا تقدم صحيفة (الشرق الأوسط) رئيس تحريرها الاسبق، مع أن القارئ لمقاله المنشور في نفس الصحيفة الصادرة في يوم السبت 20 ديسمبر 2025م بعنوان (“الانتقالي” فتح عشَّ الانفصاليين) يكتشف أنه لا هو بمثقف ولا هو براشد.
المقال كان ركيكًا وسطحيًا وينقصه العمق التحليلي، كشف عورة الكاتب وأظهره ككاتب مبتدئ لا يفرق بين الجغرافيا كثابت وبين السياسة كفعل متحرك لا يعرف الجمود.
فلننظر إلى العبارة التالية التي بدأ بها مقاله:
(لا توجد سوى دولةٍ واحدةٍ لها تأثيرٌ دائمٌ على اليمن، سواء أكانَ موحَّداً أم مجزأً، هي السّعودية، وبدرجةٍ ثانيةٍ سلطنةُ عُمان التي لهَا حدودٌ غرباً مع الجنوب اليمني.)
الراشد اعتمد على حقيقة واضحة وهي تأثير السعودية وعُمان على اليمن كجيران، مثلها مثل تأثير مصر على السودان أو تأثير أي بلد على جيرانه وتأثره بهم.
وهذا أمر بديهي ؛ فمثلما للسعودية وعمان تأثيرهما على جيرانهما، في الوقت نفسه تتأثران بجيرانهما.
وأمر بديهي أنهما يتأثران بما حدث في الجنوب، فهما تمتلكان شريطًا حدوديًا مع الجنوب يُقدر بحوالي 600 كيلو.
مع الاختلاف في نوع التأثير، هل هو تأثير سلبي أم إيجابي؟ فإذا لم يكن للجنوب تأثير على المملكة وعمان، لما اهتمت المملكة بما حدث ويحدث في الجنوب.
أراد الراشد أن يثبت صحة كلامه من خلال الاستشهاد بمقولة لنابليون (والجغرافيا تبقَى – كمَا قالَ نابليون – «الحقيقةَ الوحيدةَ في السياسة».).
ونسي الراشد أو تناسى ما قاله “هانسمورغاو” (عالم سياسة ألماني-أمريكي): “السياسة هي مصالح”.
هذه المقولة تركز على أن السياسة تحكمها المصالح، وليس الجغرافيا فقط.
وبهذا، فشل الراشد في تقديم تحليل جديد أو رؤية متعمقة للمشهد اليمني.
يبدو أن عبدالرحمن الراشد لا يزال أسير الماضي ولم يستوعب أن الشقيقة الكبرى، المملكة العربية السعودية، اليوم في عهد ربانها وباني نهضتها الأمير “محمد بن سلمان”، ليست كمملكة الأمس.
فهي اليوم لاعب دولي له وزنه وثقله الدبلوماسي والاقتصادي في المحافل الإقليمية والدولية، شريكًا فاعلًا ومؤثرًا لا يمكن الاستغناء عنه أو تجاوزه.
ومن يقرأ الفقرة التالية المأخوذة من مقال الراشد:
(القوى في الجنوب، وكذلك في الشمال مِن دونِ الجارةِ الشماليةِ الكبرى، لا تستطيعُ إنجاحَ مشاريعِها السياسيةِ، ولو نجحتْ لحين، تاريخيّاً ومنذ السّتيناتِ والتدخلِ المصريِّ، وإلى اليوم.)
يدرك أن الراشد لم يستوعب أن مملكة اليوم في عهد “محمد بن سلمان” صار تأثيرها عابرًا للقارات، يتجاوز البحار والمحيطات، وأن النجاحات التي حققتها في كافة المجالات يعود إلى امتلاكها عوامل ومقومات القوة.
ولذا نقول للزميل الراشد: إن كان راشدًا، إن المملكة لا تتعامل بردود الأفعال ولا تقف ضد إرادات الشعوب.
فمثلما لها الحق في الدفاع عن مصالحها المشروعة، ونحن معها في هذا، فإن للجنوبيين الحق في تحقيق طموحاتهم المشروعة، والتي يأتي في مقدمتها استعادة دولتهم.
وعلى الراشد أن يعرف أن هذا الحق هو نتاج طبيعي لفشل مشروع الوحدة وان الجنوب اليوم ليس جنوب 94 وان شعب الجنوب قال كلمته وماض في استعادة دولته ولا ينتظر الاذن من احد.
وأنا هنا لا أريد أن أسترسل في الحديث بهذا الموضوع، فالقضية الجنوبية قد فرضت نفسها وأصبحت حاضرة في كل الأروقة الدولية والإقليمية وتتسيد المشهد الإعلامي.
وخدمةً مني أقدمها للراشد لكي يعرف أن الجنوب انتقل من مربع ردة الفعل إلى صناعة الفعل على المستوى المحلي، وأن المملكة لا تتعامل بردة الفعل وأنها أصبحت تصنع الفعل على المستوى الدولي والإقليمي.
أقدم له الفرق بين ردة الفعل وبين صناعة الفعل، وهو على النحو التالي:
صناعة الفعل وردة الفعل هما مصطلحان يستخدمان في علم النفس والعلوم الاجتماعية لوصف نوعين مختلفين من السلوكيات والاستجابات.
الأول يعبر عن القوة بينما الثاني يعبر عن الضعف.
صناعة الفعل:
– تعني اتخاذ الإجراءات المبادرة والتحكمية لتحقيق هدف معين أو تغيير الوضع الحالي.
– تتميز بالتحكم والسيطرة على الأحداث والظروف.
– تعتمد على التفكير والتخطيط والتنفيذ.
– غالبًا ما ترتبط بالنجاح والتقدم والتحسين.
ردة الفعل:
– تعني الاستجابة للأحداث والظروف بعد حدوثها.
– تتميز بالاستجابة والتفاعل مع الأحداث الخارجية.
– تعتمد على الاستجابة للمؤثرات الخارجية.
– غالبًا ما ترتبط بالتوتر والضغط والاستجابة للأزمات.
بشكلية، صناعة الفعل تعني اتخاذ الإجراءات المبادرة لتحقيق الأهداف، بينما ردة الفعل تعني الاستجابة للأحداث بعد حدوثها.
لا أريد أن أتحدث أكثر في قضايا قد حسمها شعب الجنوب، صاحب الحق الشرعي الوحيد في تقرير مصيره بنفسه دون وصايا من أحد.
وأختتم تعقيبي على الراشد بتفنيد الفقرة التالية من مقاله السطحي الهزيل:
(يفترضُ من المجلس ورئيسِه السيد الزبيدي، قبل أن يأمرَ ميليشياتِه بالهجوم على محافظة مساحتها 48 مرةً من مساحة محافظتِه الضالع، أن يفكر في خطورة التبعات.)
وصف القوات الجنوبية بالميليشات أظهر جهل الراشد ببنود اتفاقية الرياض التي نصت وبالحرف الواحد على دمج القوات الحكومية والقوات التابعة للمجلس الانتقالي.
وهذا أسقط على قوات الانتقالي صفة المليشيات هذا أولًا.
وثانيًا، وقع الراشد في خطأ كبير عندما تحدث عن الجغرافيا بعيدًا عن التاريخ.
فالحديث عن الجغرافيا لا يستقيم دون الحديث عن التاريخ.
ويبدو أنه تجنب الحديث عن التاريخ لسببين: إما أنه ليس لصالحه أو أنه يجهل تاريخ الجنوب.
فلو افترضنا أنه يجهل تاريخ الجنوب القديم، فأعتقد أنه لا يجهل ما حدث في التاريخ الحديث.
فالضالع التي عاب عليها مساحتها الصغيرة هي من حولت عاصفة الحزم إلى عاصفة الحسم.
فكانت أول محافظة تحسم معركتها مع مليشيات الحوثي وتكسر شوكته، حيث تمكن أبناؤها وبمشاركة إخوان لهم من مناطق الجنوب الأخرى من تحرير أرضهم في 25 مايو 2015م. وكانت مفتاح النصر لتحرير محافظات الجنوب الأخرى. وكانت المملكة العربية السعودية هي أول من بارك هذا الانتصار.