في اللحظات المفصلية من تاريخ الشعوب، لا يكون الخلاف الحقيقي حول الكلمات، بل حول اتجاه المسار.
وهذا ما يبرز اليوم بوضوح في التعاطي مع القضية الجنوبية، حيث تتقاطع رؤيتان مختلفتان جذريًا: رؤية مجلس القيادة الرئاسي برئاسة رشاد العليمي، ورؤية المجلس الانتقالي الجنوبي بقيادة عيدروس الزبيدي.
الطرفان يتحدثان عن القضية الجنوبية، لكن كلٌّ منهما يقودها إلى وجهة مختلفة.
اعتراف بلا تعريف… أم قضية بحسم واضح؟
في خطاب مجلس القيادة، تُوصَف القضية الجنوبية بأنها “عادلة”، وتُنفى عنها تهمة الإنكار أو التشكيك. غير أن هذا الاعتراف يبقى اعترافًا لغويًا لا سياسيًا، إذ لا يُقدَّم أي تعريف نهائي لطبيعة الحل:
لا حديث عن دولة، ولا عن تقرير مصير، ولا عن سقف زمني واضح.
بدل ذلك، تُحال القضية إلى “حوار جنوبي شامل” ضمن “مرجعيات المرحلة الانتقالية” وبرعاية إقليمية ودولية.
وهي صيغة تعني عمليًا أن القضية ستبقى مفتوحة على إدارة طويلة الأمد، لا على قرار حاسم.
في المقابل، يطرح المجلس الانتقالي تعريفًا مباشرًا للقضية الجنوبية بوصفها حق شعب في تقرير مصيره واستعادة دولته، ويجعل من الاستفتاء آلية للحسم، لا مجرد خيار نظري.
الحوار: حل أم أداة إعادة توظيف؟
الخلاف لا يقف عند تعريف القضية، بل يتجاوز ذلك إلى وظيفة الحوار نفسه.
في رؤية مجلس القيادة، يبدو الحوار الجنوبي أداة تسوية داخل الإطار القائم، هدفها احتواء الخلافات وتنظيمها، لا إنهاءها.
أما في رؤية المجلس الانتقالي، فالحوار وسيلة انتقال إلى الحسم، لا غاية بحد ذاته.
لكن الإشكالية الأعمق تظهر عندما يُربط الحوار بمسار الدولة الحالية ومعركة الشمال ضد الحوثي.
هنا يبرز تخوف مشروع لدى قطاعات واسعة من الجنوبيين:
أن يتحول الحوار إلى مدخل لإعادة توظيف القوة العسكرية الجنوبية بدل أن تكون هذه القوة سندًا لمشروع الجنوب السياسي.
من قوة حسم إلى قوة استنزاف؟
يمتلك الجنوب اليوم واقع قوة على الأرض، وهو ما أعطى قضيته وزنًا سياسيًا حقيقيًا.
غير أن إدخال هذه القوة في مسارات متعددة تحت عناوين وطنية عامة قد يؤدي إلى نتيجة معاكسة:
استنزاف القوات الجنوبية في جبهات الشمال.
تشتيت دورها بين محاور عسكرية مختلفة.
إدخال الجنوب في حالة إنهاك طويل الأمد.
في هذا السيناريو، لا تُلغى القضية الجنوبية صراحة، بل تُزاح من مركز الاهتمام، وتتحول إلى ملف مؤجل، بينما تُستهلك القوة التي كانت تحميها.
الأخطر من ذلك هو احتمال انقسام هذه القوات بين محاور متباينة، ما يعيد إنتاج الانقسام الجنوبي بشكل جديد، ويضعف أي قدرة مستقبلية على فرض خيار سياسي موحد.
شرعية المؤسسات أم شرعية الإرادة الشعبية؟
يستند مجلس القيادة في طرحه إلى شرعية مؤسسية: الدستور، الحكومة، المرجعيات الدولية.
بينما يستند المجلس الانتقالي إلى شرعية شعبية وتاريخية، تقوم على الإرادة الجنوبية والتضحيات المتراكمة.
هذا الفرق ليس شكليًا؛ بل يحدد من يملك القرار النهائي: