منذ صيف 1994م، لم يشهد مسار قضية الجنوب تحوّلًا بهذا الوضوح كما نشهده اليوم. وللمرة الأولى منذ حرب الاحتلال، يلتقي مسؤول عربي رفيع المستوى – سمو الأمير خالد بن سلمان – بوفد جنوبي يحمل مشروع الاستقلال بوضوح، ويُقر بعدالة القضية الجنوبية، ويعترف بأبعادها التاريخية والاجتماعية، مع تعهّد صريح برعاية حوار جنوبي–جنوبي، وتبنّي مخرجاته أياً كان سقفها، والدفع بها في المسارات الإقليمية والدولية بما يضمن حلًا عادلًا ومستدامًا.
وللمرة الأولى أيضًا، تحظى قضية الجنوب بحضور إعلامي عربي كثيف وفاعل، تقوده وسائل الإعلام الرسمية السعودية، التي نقلت صوت الشارع الجنوبي، وغطّت المظاهرات الجماهيرية المطالبة باستعادة الدولة، وقدّمت عشرات المقابلات والتقارير، وصولًا إلى ما نشرته صحيفة عكاظ من تغطية لافتة لتظاهرة عدن الأخيرة، في سابقة لم تحدث منذ ثلاثة عقود.
أما الحدث الأبرز، فهو السماح – ولأول مرة – بعزف السلام الوطني الجنوبي ورفعه تحت راية الجنوب خلال تدشين مشاورات جنوبية رسمية، مع نقله عبر وسائل الإعلام وتسليط الضوء على نشأته ودلالاته. وهي رسالة سياسية واضحة لا تحتمل التأويل:
المملكة تقول للجنوبيين: اتفقوا، وقدّموا رؤيتكم الموحدة، ونحن سنقف مع ما تختارونه.
بهذا المعنى، أصبحت الكرة اليوم في الملعب الجنوبي، وأصبح تصحيح الخطأ التاريخي ممكنًا أكثر من أي وقت مضى. وما يُنتظر من القوى والمكونات الجنوبية هو مستوى عالٍ من المسؤولية، يحترم إرادة الشعب وتضحياته، ويستوعب حقيقة أن وعي الشارع الجنوبي بات أعمق من حسابات بعض الساسة، وأن العبث بمصير هذا الشعب أو المغامرة بقضيته لم يعد مقبولًا.
قد يخرج من يقول إن ما يحدث ليس سوى “تنفيس مؤقت لغضب الشارع”، لكن السؤال الجوهري هنا:
ما مصلحة الإقليم والمجتمع الدولي في تسكين قضية وطنية كبرى بحلول ترقيعية لا تعالج جذورها؟
ومن المستفيد من إضاعة الوقت في منطقة بأمسّ الحاجة إلى حلول حقيقية تضمن الأمن والاستقرار المستدام؟
أنا على يقين بأن قضية الجنوب وصلت اليوم إلى مرحلة غير مسبوقة، وأن قيادة المملكة العربية السعودية لن تقبل لشعب الجنوب ما لا تقبله لنفسها.
فلنتفاءل، ونتوحد كجنوبيين، ولنبتعد عن خطاب التخوين والتشظي وتبادل الاتهامات العقيمة… فهذه لحظة تاريخية لا تحتمل العبث.