تشهد الساحة الإعلامية في المنطقة تصاعدًا في الحملات السياسية المتبادلة، ما يفتح المجال أمام قراءة مهنية لطبيعة إدارتها وأدوات تأثيرها في الرأي العام. وفي هذا السياق، يبرز تساؤل حول الفوارق بين أساليب إدارة الحملات الإعلامية بين الدول.
بصفتي صحفيًا، قمت بمقارنة الحملة الإعلامية السعودية الحالية التي تتناول الجنوب والرئيس القائد عيدروس الزبيدي ودولة الإمارات، بالحملة التي أدارها الإعلام القطري خلال أزمته السابقة مع عدد من دول الإقليم.
وعند التفكيك المهني، تظهر ملامح اختلاف واضحة في الأسلوب والإدارة. فالحملة السعودية تبدو متسارعة ومفتقرة إلى البناء السردي المتدرج، حيث تغيب عنها عناصر الإقناع المهني، ولا يظهر فيها تسلسل منطقي للأفكار أو خطاب إعلامي متماسك قادر على التأثير المنهجي في المتلقي.
ويلاحظ أن الخطاب المستخدم يعتمد بدرجة كبيرة على التصعيد والضجيج الإعلامي، أكثر من اعتماده على تقديم رواية واضحة أو محتوى تحليلي منظم، الأمر الذي يجعل تفكيك رسائله ممكنًا بجهد محدود من المتابعة المنطقية.
في المقابل، ورغم الخلافات السياسية مع الإعلام القطري في تلك المرحلة، إلا أن حملته اتسمت بالتنظيم والتدرج في السرد، وبمحاولة بناء خطاب متماسك، حتى وإن احتوى على معلومات محل جدل أو اتهامات غير دقيقة، إلا أن طريقة تقديمه كانت أكثر انتظامًا من حيث الشكل والبناء الإعلامي.
ويشير هذا التباين إلى فارق مهني بين إعلام يُدار بأسلوب مؤسسي يعتمد التخطيط وبناء الرسائل، وإعلام يتأثر بردود الفعل والانفعال السياسي أكثر من اعتماده على أدوات العمل الصحفي المنظم.
كما يكشف الأداء الأخير أن التحدي لا يرتبط فقط بالإمكانات المالية، بل بالقدرات البشرية والخبرات المهنية القادرة على صياغة خطاب إعلامي مقنع ومؤثر. فالإعلام، وفق المعايير المهنية، لا يقوم على الموارد وحدها، بل على الكفاءة، والتحليل، وبناء السرد القائم على المنهجية.
وفي ضوء ذلك، تبدو الحاجة قائمة لإعادة تقييم أدوات إدارة الحملات الإعلامية في المنطقة، بما يضمن انتقالها من منطق ردّ الفعل إلى منطق التخطيط، ومن الضجيج إلى التأثير الحقيقي في الرأي العام.