في ليلة من ليالي رمضان المضمخة بروح الإيمان والتضحية، ترجّل القائد علي قايد المعكر شهيداً وهو يمضي في درب اختاره مبكراً، درب مقاومة الظلم والانتصار لكرامة الإنسان الجنوبي وحقه في الحرية والأمان على أرضه. لم يكن رحيله نهاية حكاية، بل بداية تحوّله إلى رمز تلهم سيرته أجيالاً تتعاقب على دروب النضال.
وُلد علي قايد المعكر في بيئةٍ قاسية لا تعرف المهادنة مع الظلم، وترعرع بين رجالٍ حملوا همّ الجنوب في قلوبهم قبل أن يحملوا السلاح على أكتافهم. انخرط مبكراً في حركات الرفض والمقاومة بعد حرب 1994، رافضاً واقع الهزيمة ومصادرة الهوية والإرادة..
من موقعه العسكري ومسيرته النضالية صعد المعكر في مدارج القيادة، لكنه حين خُيِّر بين منصبٍ وامتياز وبين الانحياز لقضية وطنه، آثر حياة المطاردة في الجبال على حياة المكاتب والامتيازات. اختار أن يكون صوت المقهورين لا “اسماً” في كشف الرواتب، وأن يكون بندقيةً في المتارس لا صورةً على جدار.الجبال…
حين ضاقت المدن برجال الموقف، اتخذ علي قايد المعكر من قمم الجبال الحصن الأول للثورة. هناك، على ارتفاع الروح قبل ارتفاع الحجر، عاش مطارَداً لكنه حراً، محاصَراً لكنه ثابتاً، قليل العتاد لكنه عظيم اليقين.شنّ مع رفاقه عمليات نوعية ضد مواقع الاحتلال ومراكزه، فكان فعله يسبق القول، وجرأته تفتح الطريق لجرأة الآخرين.
في وقت كان فيه كثيرون يتحاشون حتى الحديث الهامس عن مظالم الجنوب، كان هو يجهر بموقفه ويمضي في فعله، مؤمناً أن الصمت أطول أعماراً من الرصاصة، لكن أثر الرصاصة في التاريخ أبلغ من ألف خطبة وجدل.
قائد مؤسس لا يساوم إذ لم يكن المعكر مجرد مقاتل يحمل بندقية، بل كان عقلاً سياسياً ورؤيةً ثورية شارك في تأسيس حركات نضالية كـ“حتم” وغيرها من أطر المقاومة الجنوبية التي أرست اللبنات الأولى للعمل المنظّم في مواجهة مشروع الهيمنة والإقصاء.
تميّز بأسلوب قيادة مختلف؛ لا يتصدر الصفوف بحثاً عن مجد، بل يندمج في الرجال حتى يكاد لا يُعرَف من بينهم إلا ساعة الشدة. لم يعرف المتاجرة بدم الشهداء ولا المساومة على حقوق الناس، ورفض الإغراءات والمناصب التي عُرضت عليه مقابل التخلي عن خطه ومواقفه، فاختار أن يظل “قائداً مؤسساً” لا “شريكاً في تسوية منقوصة”..
في ليلة الخامسة والعشرين من رمضان، عام 2001م تلك الليلة التي ترتقي فيها الأرواح إلى مراتب القرب من الله، ارتقى علي قايد المعكر شهيداً وهو على طريق الجهاد والمقاومة.
سال دمه على ثرى الجبل الذي أحبّه وحماه، ليختلط تراب الجنوب بدم قائد آثر أن يودّع الحياة وهو واقف لا منحنٍ، مقبل غير مدبر، واثق بأن الشهادة تتويج لمسار طويل من الصبر والتضحية.لم تكن الرصاصة التي أصابته مجرد أداة قتل، بل كانت “ختم توقيع” على سيرة مكتملة الأركان، سيرة رجل عاش كما يليق بالأحرار ورحل كما يحلم المناضلون أن يرحلوا.
اليوم، ونحن نستقبل ذكرى استشهاده، لا نقف أمام سيرة علي قايد المعكر من باب العاطفة وحدها، بل من باب الواجب الأخلاقي والسياسي معاً، لأن قضيته لم تُنجز بعد، والظلم الذي واجهه لا يزال يتغيّر في شكله ولا يتغير في جوهره، ولأن الأجيال الجديدة تحتاج أن ترى في سيرته نموذجاً مختلفاً عن “سياسي الصفقات” وقادة المصلحة، نموذج المناضل الذي لم يبع دم رفاقه ولم يساوم على حق شعبه.ولأن الشهادة ليست ذكرى عابرة توضع في إطار، بل عهد يجب أن يُترجم إلى موقف، وإلى وعي، وإلى استمرار في العمل حتى تحقيق الأهداف التي ضحى من أجلها.
من حياة واستشهاد المعكر، يمكن استلهام جملة من الدروس العملية في زمن تختلط فيه الرايات وتتعدد فيه الشعارات:أن النضال الحقيقي يبدأ من موقف أخلاقي واضح، قبل أن يكون بندقية أو منصباً.
أن القائد الذي يحتمي بالناس أعظم من القائد الذي يحتمي بالمرافقة والجدران العالية. وأن الجبال يمكن أن تُحاصر، لكن الفكرة العادلة لا تُحاصر، وأن الرصاصة تستطيع إسكات الجسد ولا تستطيع إلغاء المعنى.أن الجنوب – كقضية وهوية وحق – لم يُبنَ بخطابات المناسبات بل بعرق المناضلين ودماء الشهداء من طراز علي قايد المعكر.
ونحن نقدم كلمة وفاء في ذكرى استشهاد القائد علي قايد المعكر، نرفع أسمى آيات الوفاء لروحه الطاهرة، ونتوجه بالتحية لكل رفاق دربه وكل أسرة قدّمت شهيداً على هذا الطريق..
الوفاء الحقيقي له لا يكون في قصائد المديح وحدها، ولا في صور تُرفع في المناسبات ثم تُطوى في الأدراج، بل في استمرار العمل من أجل جنوب حر كريم، قوي بهويته، عادل في نظامه، يحترم الإنسان ويصون كرامته وحقوقه..
رحم الله الشهيد الوالد علي قايد المعكر، وأسكنه فسيح جناته، وجعل من دمه منارة تهدي الخطى في ليل هذا الوطن الطويل، حتى تشرق شمس العدالة التي حلم بها، وقاتل من أجلها، واستُشهد وهو قابض على مبادئها.