ليست المسألة هنا خلافا مع دولة بعينها ولا اعتراضا على تحولات داخلية تختارها لنفسها، فالدول في نهاية المطاف، كائنات سياسية ذات سيادة، تعيد تعريف ذاتها وفق مصالحها وتوازناتها ومن هذا المنطلق يمكن قراءة التحول الذي تشهده المملكة العربية السعودية بوصفه انتقالا من نمط من الضبط الأيديولوجي إلى انفتاح محسوب، سواء على مستوى الحقل الديني أو الثقافي فالدولة التي كانت تعرف ذاتها عبر صرامة مذهبية، باتت اليوم تعيد ترتيب علاقتها بالمجتمع والدين معا، وتدفع نحو نموذج أكثر مرونة في إدارة الفضاء العام فحتى المساجد الكبيرة في المملكة أصبحت تعين فيها الوسطيين والصوفيين أمثال الشيخ المغامسي، وعلى الجانب الثقافي باتت الرياض بمواسمها أشبه بمسارح أوربا وأمريكا ثقافة بلا قيود.
غير أن المفارقة تظهر حين تنتقل هذه الدولة بذات أدواتها إلى فضاء سياسي آخر، كاليمن وتحديدا الجنوب، فتنتج نمطا معاكسا لما تمارسه داخليا،هنا يتحول الأمر إلى إشكالية في تصور الآخر كيف لدولة تسعى إلى تقليص حضور التيارات المتشددة في بنيتها الداخلية، أن تعمد إلى تمكينها في بنية دولة أخرى؟ هذه الازدواجية تعتبرخلل في إدراك طبيعة المجتمعات التي يراد إعادة تشكيلها.
إن ما يمكن تسميته بـ”سلفنة الجنوب”يعبر عن محاولة لإعادة هندسة المجال العام عبر أشخاص لا يملكون شروط الفعل السياسي الحديث، فاستبدال الخبرة السياسية بخطاب وعظي، وإحلال الانضباط العقائدي محل الكفاءة المؤسسية لا ينتج دولة بل يعيد إنتاج هشاشتها، الدولة في معناها الحديث ليست امتدادا للمسجد ولا تدار بمنطق الخطيب بل بمنطق التراكم والتخصص والشرعية المستمدة من المجتمع.
قد يقال إن هذه الجماعات تمثل شريحة اجتماعية ومن حقها المشاركة في الحكم وهذا صحيح من حيث المبدأ لكن المشاركة السياسية ليست حقا مجردا عن شروطه بل هي عملية تأهيل وتدرج واكتساب لخبرة إدارة التعقيد الاجتماعي أما القفز من الهامش إلى مركز القرار، دون وسائط مؤسسية فهو إرباك لبنية الدولة لا تمكين لها.
وفي خلفية هذا الخيار، يمكن قراءة منطق الثقة السياسية فهذه الجماعات بحكم تكوينها العقائدي تؤطر على الطاعة ورفض التمرد وهو ما يجعلها، من منظور الدولة الراعية، أداة استقرار غير أن هذا التصور يتجاهل حقيقة أساسية وهي أن الاستقرار المفروض من الخارج، أو القائم على فئة محدودة لا يتحول إلى استقرار فعلي بل إلى توتر مؤجل وعنف ودمار .
فالمجتمع الجنوبي، بتاريخه السياسي وتنوعه، لا يمكن اختزاله في تيار واحد، ولا حتى في معادلة مذهبية ضيقة لقد تشكل هذا المجتمع عبر مسارات نضالية متعددة منذ ما بعد حرب صيف 1994، مرورا بالحراك الجنوبي وصولا إلى التكوينات السياسية الراهنة، وعلى رأسها المجلس الانتقالي الجنوبي وهذه التكوينات مهما اختلفنا معها، تمثل تعبيراعن وزن اجتماعي وسياسي لا يمكن القفز فوقه دون كلفة.
أما على المستوى المذهبي، فالجنوب أقرب في بنيته العامة إلى الشافعية، مع انفتاح تاريخي على تعددية داخل الفضاء الإسلامي ومن هنا، فإن إدخال نمط مذهبي صلب، بوصفه أداة سياسية، لا يقرأ دينيا بقدر ما يقرأ كفعل سلطة، يعيد إنتاج الدين كوسيلة هيمنة لا كإطار جامع.
إن ما يحدث اليوم ليس جديدا تماما، بل هو تكرار لأنماط سابقة من إدارة الجنوب حين جرى توظيف الدين في السياسة لإعادة تشكيل الهوية والولاء،وهو الأمر الذي تعامل معه المنتصر بعد حرب ١٩٩٤م حيث مكن خطباء الإصلاح من مفاصل الدولة الفارق الجوهري ان عفاش اعتمد على مجاهدي افغانستان ” الإصلاح” والسعودية اعتمدت على السلفيين وفي كلتا الحالتين، كانت النتيجة واحدة تعقيد المسألة الجنوبية بدل حلها.
لذلك، فإن أي مقاربة عقلانية للجنوب تقتضي الاعتراف بتعدديته، والقبول بتمثيلاته الفعلية، لا المفترضة فالقفز فوق الواقع لا يلغيه، بل يعمق تناقضاته كما أن التعامل مع مجتمع سياسي حي بعقلية الوصاية، لا ينتج شراكة بل مقاومة بأشكال مختلفة.
في النهاية، الجنوب ليس ساحة لإسقاط النماذج، بل فضاء سياسي له قضيته الخاصة وتوازناته وسياقاته التاريخية وأي محاولة لإعادة تشكيله من الخارج، دون فهم هذه المعطيات، محكوم عليها بأن تتحول من حل مزعوم إلى جزء من المشكلة.