
لم تتحقق أهداف الولايات المتحدة وإسرائيل من الحرب على إيران حتى اللحظة، هذا ما نفهمه من الغموض والتضارب في خطابات ترامب، و بعد أن أظهرت إيران قدرة كبيرة على امتصاص الضربات وتحمل الخسائر. الأمر الذي نقل مسار العمليات العسكرية من رهانات الحسم (خاصة عقب استهداف المرشد وقيادات الصف الأول) إلى منطق الاستنزاف.
ويمكن تفسير ذلك عبر مجموعة عوامل متداخلة:
أولاً، تطور القدرات العسكرية الإيرانية، خصوصاً في مجال الصواريخ والطائرات المسيّرة، والتي أظهرت مستوى من الفاعلية جعل الأداء الإيراني محل قلق استراتيجي حقيقي.
ثانياً، الجغرافيا الإيرانية الواسعة والمعقدة، وكأنها قارة تمنحها عمقاً دفاعياً يصعب اختراقه أو السيطرة عليه في حرب تقليدية أو حتى متقدمة.
ثالثاً، صلابة الحرس الثوري، وما يمتلكه من خبرة تراكمية وقدرة عالية على التكيف تحت الضغط وإدارة الصراعات طويلة النفس.
رابعاً، التحكم بالممرات الاستراتيجية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، الذي برز كأداة نفوذ حاسمة، إلى حد بدا معه في لحظات التصعيد أقرب إلى ممر تتحكم إيران بإيقاعه، أكثر من كونه ممراً دولياً مفتوحاً.
خامساً، ورقة الطاقة، وما يرتبط بها من انعكاسات على الأسواق العالمية، حيث تتحول أي أزمة في المنطقة إلى عامل ضغط اقتصادي دولي واسع النطاق. والطاقة هي الأكثر حساسية في الحضارة الكونية.
ورغم ذلك، لا يمكن تجاهل أن إيران تكبدت خسائر عسكرية معتبرة، وهو أمر متوقع في مواجهة مباشرة مع قوتين بحجم الولايات المتحدة وإسرائيل، ضمن حرب ذات طابع تقني متقدم.
غير أن ما يستحق التوقف هو وضع دول الخليج، التي بدت، رغم امتلاكها منظومات دفاعية متطورة، عرضة لمخاطر كبيرة في حال اتساع نطاق الصراع، خصوصاً مع هشاشة حماية البنية التحتية للطاقة، التي تمثل “كعب أخيل” خليجي، و يمكن استهدافها بكلفة منخفضة.
ولم يتوقف الأمر على الجانب الدفاعي، بل شمل أيضاً محدودية الفاعلية السياسية؛ إذ تراجعت أدوار الوساطة التقليدية لدول الخليج، لصالح فاعلين إقليميين مثل تركيا ومصر وباكستان، التي تمتلك مزيجاً من عناصر التأثير الجيوسياسي والعسكري والديموغرافي، إضافة إلى هامش حركة أوسع في علاقاتها الإقليمية والدولية.
كما ان هناك تساؤلات حول جدوى القواعد العسكرية والتحالفات المكلفة إضافة إلى أمور كثيرة تتعلق بالاستراتيجية الأمنية لدول الخليج وعلاقاتها بدول المنطقة.
وتبقى مسألة جوهرية: إن إضعاف إيران أو هزيمتها لن يخلق فراغاً محايداً، بل سيُفتح المجال لقوى إقليمية أخرى، وفي مقدمتها تركيا، لملء هذا الفراغ، بطموحات لا تقل توسعية، وربما أكثر ديناميكية. وفي الشرق الأوسط، لا تُملأ الفراغات عربياً… بل تُعاد كتابتها بقوة آخرى.








