في لحظةٍ يختلط فيها الحزن بالفخر، والأسى بالاعتزاز، ودّعت الأوساط الاجتماعية والشخصيات الوطنية الفقيد صالح موسى صالح الصولاني الشعيبي، الذي وافته المنية في احد مشافي جمهورية الهند بعد عمرٍ حافل بالعطاء، قضاه في خدمة الناس، وترسيخ قيم المروءة، ومدّ جسور الخير بين أبناء مجتمعه في داخل الوطن والمهجر.
لقد كان رحيله حدثًا مؤلمًا تجاوز حدود الأسرة والقبيلة، ليُلامس قلوب كل من عرفه أو سمع بسيرته، لما تركه من أثرٍ عميق، وسجلٍ ناصع من المواقف الإنسانية النبيلة.
وُلد الفقيد الراحل في بيئةٍ أصيلة، ونهل من قيمها ما شكّل شخصيته المتزنة، فكان امتدادًا مشرفًا لأسرة “آل الصولاني” التي عُرفت بمكانتها الاجتماعية وتاريخها العريق
ورغم تنقله في دروب الاغتراب، ظلّ الفقيد يحمل وطنه في قلبه، ويترجمه سلوكًا ومواقف. فمن الهند، حيث عُرف بدماثة أخلاقه وحضوره الإنساني، إلى الولايات المتحدة الأمريكية، التي احتضنت تجربته الأوسع، لم يكن مجرد مغترب، بل كان سفيرًا للقيم، وحاملًا لرسالة اجتماعية راقية.
وفي ولاية لويزيانا، برز اسمه كأحد أبرز القيادات المجتمعية، حيث تولّى رئاسة الجالية، وأدارها بروح الأب المسؤول، فكان قريبًا من الجميع، حاضرًا في أفراحهم يسعى دومآ لجمع الكلمة، وتقوية أواصر الترابط، ومعالجة الخلافات بالحكمة واللين.
لم تكن المسؤولية لدى الفقيد الراحل منصبًا، بل كانت رسالة حياة. فقد كرّس جهده ووقته لخدمة أبناء الجالية، فكان ملاذًا للمحتاجين، وسندًا للمغتربين، ومبادرًا في أعمال الخير والإصلاح.
عرفه الجميع بكرمه الفياض، وقلبه الكبير الذي يتسع للجميع دون استثناء، فلم يردّ محتاجًا، ولم يتأخر عن واجب، ولم يتوانَ عن إصلاح ذات البين، حتى غدا اسمه مرادفًا للثقة والصدق والمروءة.
حيث كان الفقيد يتمتع بشخصيةٍ متزنة تجمع بين الحزم والرحمة، وبين الحكمة والتواضع، الأمر الذي أكسبه احترام الجميع، وجعله محل إجماعٍ نادر في زمنٍ تشتد فيه المحن والخلافات
يقول المقربون من الفقيد إن رحيله لا يُقاس كفقد فرد، بل كخسارة منظومة قيم كاملة. فقد كان بالنسبة لهم الأب والناصح، والصديق الصادق، والمرجع الذي يُلجأ إليه في الملمات.
ويستذكرون مواقفه النبيلة التي لا تُعد، حيث كان حاضرًا في كل موقف إنساني، يخفف عن هذا، ويواسي ذاك، ويزرع الأمل في النفوس، دون انتظار مقابل أو سعيٍ لظهور.
لقد كان الفقيد رحمة الله تغشاه مدرسة قائمة بذاتها، تعلّم منها من حوله معاني الكرم، والصبر، وعزة النفس، والتعامل الراقي مع الناس، وهي القيم التي ستظل حيّة في نفوسهم رغم غيابه.
برحيل الفقيد صالح موسى، يفقد المجتمع رجلًا استثنائيًا، لكن ما يخفف وطأة الفقد هو ذلك الإرث الكبير الذي تركه خلفه.
إرثٌ يتمثل في سيرةٍ عطرة، ومواقف خالدة، وعلاقات إنسانية صادقة، وأثرٍ طيب لا تمحوه الأيام. فقد استطاع من خلال حياته الفقيد أن يزرع محبته في قلوب الناس، وأن يبني رصيدًا من الاحترام والتقدير قلّ أن يتكرر.
لقد غاب الجسد، لكن بقيت القيم، وبقي الذكر، وبقيت الدعوات الصادقة التي تلاحقه في كل مكان.
إن رحيل الفقيد لا يمثل نهاية حكاية، بل بداية لمسؤولية أكبر تقع على عاتق من عرفوه، في الحفاظ على النهج الذي سار عليه، والاقتداء بما تركه من مبادئ.
فمثل هذه الشخصيات لا تُرثى بالكلمات فقط، بل تُخلّد أفعالها في واقع المجتمع وتُستعاد سيرتها في كل موقف يحتاج إلى رجلٍ بحجم “صالح موسى”.
ختامًا،
يرحل الرجال الكبار، لكنهم لا يغيبون.. يتركون خلفهم أثرًا يشبه الضوء، لا يُرى لكنه يُهتدى به.
رحم الله الفقيد صالح موسى الصولاني الشعيبي، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أهله وذويه ومحبيه الصبر والسلوان.