لم يكن ما فعله ليونيل ميسي اليوم بإحرازه ثلاثة أهداف (هاتريك) في شباك الجزائر مجرد مباراة عابرة تُضاف إلى سجلات كأس العالم، بل كان حدثاً استثنائياً تجاوز حدود الرياضة إلى فضاء الأسطورة. لقد بدا المشهد وكأنه تجلٍ حيّ لأطروحة الفيلسوف فريدريش نيتشه حول «العود الأبدي»، حيث يقف الإنسان المتفوق في مواجهة الفناء، رافضاً الاستسلام لخريف العمر وقسوة الزمن.
في عصر ينكفئ فيه المحاربون القدامى نحو الظل، ظهر ميسي بقلب متقد بالشغف ليعلن ثورته على الوقت؛ ذلك الحاكم المستبد الذي يلتهم وهج البشر. لم تكن أهدافه الثلاثة مجرد كرات سكنت الشباك، بل كانت ومضات سحرية أعادت إحياء روح الأسطورة الأرجنتينية الخالدة، وكأنها تردد الحكمة اللاتينية التي تقول:
«كرة القدم لا تملك عمراً، بل تملك الخلود فحسب».
وفي تلك اللحظات، بدت أطياف دييغو مارادونا وكأنها تعبر أرجاء الملعب لتصافح الحاضر، فيما تتردد حكمة أبي حيان التوحيدي:
«الزمن يمحو الآثار، ولكن الروح تصنع ما لا يطويه الزمان».
فكل مراوغة من ميسي كانت أشبه بلمسة فنان يرسم لوحته الأخيرة، محولاً ثقل السنين إلى طاقة روحية تتحدى حدود الجسد وقوانين الزمن.
وعلى الجانب الآخر، تجلت روعة المشهد في صمود «محاربي الصحراء». فقد واجه العنفوان الجزائري، الممتد من إرث الثورة والتاريخ، قوة بدت أقرب إلى القدر. قاتل الجزائريون بشجاعة، وبلغت القلوب الحناجر مع كل هجمة وكل فرصة، وكأنهم يجسدون أسطورة سيزيف وهو يدفع صخرته نحو قمة المجد.
لكن كلما لاح أمل أخضر في الأفق، ظهر ميسي ليكتب فصلاً جديداً من الحكاية. لم يكن مجرد لاعب يتحرك بين الخطوط، بل بدا كأنه بطل أسطوري هبط من عالم آخر ليحسم مصير الرواية بقدمه اليسرى، تاركاً الجماهير بين الذهول والانبهار.
ويختزل هذا الأداء ما وصفه الفيلسوف هنري برجسون بـ«الديمومة الروحية». فالوقت عند ميسي ليس دقائق وثوان تقيسها الساعات، بل لحظات مكثفة تتجاوز حدود الزمن. وعندما ينطلق بالكرة وسط الحصار، تتلاشى الحسابات التكتيكية وتشتعل العواطف، ليؤكد أن الشيخوخة ليست خريفاً للموهبة، بل قد تكون ربيعها الأكثر إشراقاً.
لقد كان هذا الهاتريك أكثر من انتصار في مباراة؛ كان انتصاراً للروح على الجسد، وللشغف على الزمن، وللعبقرية على قوانين العمر.
إنها تلك اللحظة النادرة التي يتمنى فيها العاشق أن يتوقف الزمن، حتى لا تُمس لوحة الإبداع الخالص بأي تفصيل بعدها.
ومن أجل الرقصة الأخيرة لـ«ليو ميسي»؛ إذا كان هذا آخر ما سنراه من سحر في كرة القدم، فليكن أداء اليوم هو المشهد الختامي. فبعد هذا الجمال، يصبح أي مستطيل أخضر مجرد مسرح فارغ من الروح.