دعوا منصات التواصل الاجتماعي تستعيد شيئًا من رسالتها، ولا تجعلوها مسرحًا لتشريح الأعراض، وتداول القضايا اللاأخلاقية، وإعادة تدوير ما يزرع الكراهية بين أبناء المجتمع. اتقوا الله، وفكروا في أوطانكم ومستقبل أبنائكم، فليست كل معركة تُفرض على الناس تستحق أن تُخاض، وليست كل قضية تُدفع إلى الواجهة هي القضية التي ينبغي أن ينشغل بها المجتمع.
حقيقة لقد أصبحت المجتمعات العربية واليمني خصوصاً، في كثير من الأحيان، تتفاعل مع ما يُراد لها أن تتفاعل معه، لا مع ما تفرضه مصالحها الوطنية. فمنذ ما سُمّي بثورات الربيع العربي، دخلت المنطقة مرحلة جديدة لم يكن عنوانها إسقاط أنظمة فحسب، بل إعادة تشكيل خرائط النفوذ، وإعادة توزيع الأدوار، وإدخال الدول في مسارات تجعل قرارها السياسي أسيرًا لتوازنات أكبر منها.
وفي مثل هذه المراحل، لا تُدار المعارك بالسلاح وحده، بل تُدار أيضًا بالرواية، وبالإعلام، وبصناعة القضايا التي تستنزف المجتمعات من الداخل، حتى يصبح الناس منشغلين ببعضهم أكثر من انشغالهم بما يُرسم لمستقبلهم. وحين يصل المجتمع إلى هذه المرحلة، يكون قد منح خصومه أعظم انتصار دون أن يشعر.
أما من يعتقد أنه يؤدي دورًا اليوم وسيكون بمنأى عن نتائج ما يصنعه، فهو يقرأ المشهد بعين اللحظة لا بعين التاريخ. فالمشاريع الكبرى لا تمنح الولاء لأحد، ولا تحتفظ بأدواتها إلى الأبد؛ وما إن تنتهي الحاجة إلى الدور، حتى يبدأ البحث عن دور جديد وأدوات جديدة.
ولهذا، فإن الوعي الديني والسياسي لم يعد ضرورة، بل أصبح خط الدفاع الأول عن المجتمعات. فالوعي هو الذي يمنع الإنسان من أن يتحول، وهو لا يشعر، إلى جزء من معركة لا تخدم وطنه، ولا تحقق مصلحة شعبه.
وعلى مستوى اليمن، فإن المسؤولية تقتضي أن يدرك الجميع خطورة الانجرار إلى صراع يخدم حسابات الآخرين. وعلى الحوثي أن يلتزم بعدم الاعتداء على الجار الجنوبي، كما ينبغي للجنوب أيضًا ألا يسمح بأن يُستدرج إلى مسارات تُدار خارج إرادته. فاستنزاف الجنوب والحوثي معًا لن يصنع غالبًا، بقدر ما سيصنع واقعًا أكثر هشاشة، يتيح للآخرين توسيع نفوذهم على حساب الجميع.
الحوثي يعلم أن الجنوب ليس أرضًا يسهل إخضاعها، لكنه ربما لا يدرك أن استمرار استهداف الجنوب لا يفتح له باب الانتصار، بل يضعه ويضع الجنوب معًا في دائرة استنزاف طويلة، وهي النتيجة التي تبحث عنها كل القوى التي ترى في ضعف الجميع فرصة لتعزيز نفوذها.
ولا يخفى على أحد أن الجنوب أصبح محل اهتمام أطراف عديدة، وأن التنافس عليه لم يعد مرتبطًا بأطراف الداخل وحدها، بل تجاوز ذلك إلى حسابات إقليمية ودولية. لكن من يظن أن الجنوب غنيمة يمكن اقتسامها بين المتنافسين، فهو لم يفهم حقيقة هذه الأرض ولا حقيقة شعبها.
فالجنوب لا يُنتزع من خارطته، ولا يُفرض عليه مستقبله من خارج إرادة أبنائه. ومن أراد أن يكون له حضور فيه، فعليه أولًا أن يحترم إرادة شعبه، لأن القوة قد تمنح نفوذًا مؤقتًا، أما الشرعية الحقيقية فلا يمنحها إلا الناس.
وأخيرًا… أخطر ما يمكن أن يحدث لأي وطن ليس أن تتعدد القوى المتنافسة عليه، بل أن ينجح بعضها في جعل أبنائه يتولون، بأيديهم وأصواتهم، تنفيذ ما عجز عنه الخصوم. فعندما ينشغل المجتمع بهدم نفسه، لا يعود خصومه بحاجة إلى بذل كثير من الجهد؛ إذ يكون قد أنجز عنهم الجزء الأصعب من المهمة.