ليست أخطر المعارك تلك التي تُخاض على خطوط المواجهة، بل تلك التي تُدار في الظل، حيث تُستنزف القضايا الكبرى بأيدي من يرفعون شعاراتها، بينما تُوجَّه سهامهم إلى صدور رجالها ورموزها.
ما تشهده الساحة الجنوبية اليوم من حملات تستهدف شخصيات وطنية لها حضورها في تاريخ الحراك الجنوبي ليس مجرد خلاف سياسي عابر، بل يمثل – في نظر كثيرين – مؤشرًا على محاولة لإعادة تشكيل الوعي الجنوبي عبر إقصاء أصحاب المواقف التاريخية واستبدالهم بوجوه لم يكن لها حضور في لحظات المواجهة، لكنها تصدرت المشهد عندما أصبحت القضية الجنوبية ورقة سياسية ذات وزن.
ولعل استهداف القائد صلاح الشنفرة ليس سوى حلقة جديدة في مسلسل متكرر، يطال كل شخصية جنوبية تمتلك رصيدًا نضاليًا مستقلاً ولا تخضع لحسابات الولاء الضيقة.
فالرجل، شأنه شأن عدد من القيادات الجنوبية، ارتبط اسمه بمراحل مفصلية من تاريخ الحراك، حين كان الدفاع عن القضية الجنوبية خيارًا مكلفًا، لا وسيلة للوصول إلى المناصب أو تحقيق المكاسب.
المفارقة أن بعض الأصوات التي تتصدر اليوم منصات الدفاع عن الجنوب، كانت في مراحل سابقة جزءًا من المنظومة السياسية التي خاصمها الجنوبيون، أو محسوبة على قوى لم تؤمن يومًا بالمشروع الجنوبي.
واليوم، وبعد تبدل موازين القوى، تحاول هذه الأصوات تقديم نفسها وصية على القضية، بينما توجه سهامها نحو من صنعوا تاريخها.
ولا يعني هذا أن الرموز الوطنية فوق النقد، فالنقد حق مشروع، بل هو ضرورة لأي تجربة سياسية. لكن هناك فرقًا شاسعًا بين النقد المسؤول الذي يستهدف تصحيح المسار، وبين حملات التشويه التي تسعى إلى اغتيال التاريخ وإسقاط الرمزية.
وعندما يصبح الرصيد النضالي تهمة، فإن الخلل لا يكون في الأشخاص، بل في الخطاب الذي يحاول إعادة كتابة التاريخ وفق مقتضيات اللحظة السياسية.
ويرى أصحاب هذا الرأي أن شخصيات محسوبة على النظام السابق تمكنت من التغلغل داخل المشهد السياسي تحت مظلة المجلس الانتقالي الجنوبي، وأسهمت في إرباك عدد من الملفات الحساسة، بل ويعتقدون أنها دفعت بالمجلس إلى مواقف أوجدت توترات مع المملكة العربية السعودية في قضايا مهمة، من بينها ملف حضرموت، الأمر الذي انعكس على مسار القضية الجنوبية وأولوياتها.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي قضية وطنية ليس خصومها المعلنين، بل أولئك الذين يتسللون إلى داخلها، فيبدلون أولوياتها، ويشغلون جمهورها بمعارك داخلية، حتى تتحول البوصلة من مواجهة التحديات الحقيقية إلى تصفية الحسابات بين أبناء المشروع الواحد.
ولذلك، فإن الدفاع عن الرموز الوطنية ليس دفاعًا عن أشخاص بقدر ما هو دفاع عن ذاكرة سياسية وتاريخ نضالي لا يجوز مصادرته أو تشويهه.
فكما كان رفض الإساءة إلى الرئيس عيدروس الزبيدي موقفًا مبدئيًا لدى كثير من الجنوبيين، فإن المبدأ ذاته يجب أن يسري على كل القيادات الوطنية، وفي مقدمتها صلاح الشنفرة، لأن المبادئ لا تُقاس بالأسماء، وإنما بثبات المواقف.
ويبقى الرهان الحقيقي على وعي الشارع الجنوبي، وقدرته على التمييز بين النقد الذي يبني، والخطاب الذي يهدم، وبين الاختلاف الذي يثري التجربة، والمزايدات التي لا تنتج سوى مزيد من الانقسام.
فالقضية الجنوبية لن تُهزم إذا اختلف أبناؤها، لكنها قد تُستنزف إذا سمحوا لمن يعيش على الانقسام أن يجعل من الخلاف مشروعًا دائمًا، ومن استهداف الرموز وسيلة لإعادة تشكيل المشهد على مقاس المصالح الضيقة.