على مدى أكثر من ثلاثة عقود منذ إعلان الوحدة اليمنية، ظل الجنوب حاضرًا في صلب المشهد السياسي، ليس باعتباره طرفًا في أزمة عابرة، بل كأحد أبرز الأطراف التي تحملت كلفة الصراعات السياسية والعسكرية التي شهدتها البلاد.
وخلال هذه الفترة، تعاقبت على حكم اليمن قوى سياسية مختلفة، وتبدلت الأحزاب والقيادات، كما تغيرت الشعارات والخطابات.
إلا أن شريحة واسعة من المراقبين ترى أن هذه التحولات لم تُحدث تغييرًا جوهريًا في طبيعة التعاطي مع الجنوب، وأن ما تبدل كان أسماء الفاعلين السياسيين، بينما بقيت الرؤية الحاكمة وآليات إدارة العلاقة مع الجنوب متقاربة في جوهرها.
ولا يستند هذا الطرح إلى الخطاب السياسي وحده، بل يدعو إلى قراءة الوقائع كما وثقتها الأحداث، وفي مقدمتها حجم الخسائر البشرية التي تكبدها الجنوب في مختلف المراحل. فالأرقام، بحسب أصحاب هذا الرأي، تظل أكثر قدرة على عكس طبيعة السياسات من الشعارات والمواقف المعلنة.
ففي الفترة الممتدة بين عامي 1990 و2011، والتي تزامنت مع هيمنة حزب المؤتمر الشعبي العام على السلطة، شهد الجنوب محطات مفصلية خلّفت آلاف الضحايا وتركت آثارًا عميقة على المستويين السياسي والاجتماعي.
ثم جاءت المرحلة الممتدة من 2011 إلى 2015، حيث برز حزب الإصلاح لاعبًا رئيسيًا في المشهد السياسي، إلا أن كثيرًا من الجنوبيين، وفق هذا الطرح، لم يلمسوا تحولًا حقيقيًا في السياسات أو تراجعًا في حجم المعاناة. ومع اندلاع الحرب عام 2015، ودخول جماعة أنصار الله (الحوثيين) طرفًا رئيسيًا في الصراع، اتسعت دائرة العنف، لتضيف فصلًا جديدًا من الخسائر البشرية والتداعيات الإنسانية.
ومن خلال هذه المحطات، يرى أصحاب هذا الرأي أن القضية لا تتعلق بمسؤولية حزب بعينه أو قيادة سياسية محددة، بل تعكس نهجًا سياسيًا استمر رغم تغير مراكز النفوذ.
فبحسب هذا المنظور، تعاملت القوى التي تعاقبت على إدارة الدولة، على اختلاف توجهاتها السياسية والأيديولوجية، مع الجنوب بعقلية متقاربة، وإن اختلفت أدواتها وأساليب خطابها، وهو ما عزز لدى كثير من الجنوبيين قناعة بأن تبدل الحكومات لم يكن يعني بالضرورة تبدل السياسات.
في المقابل، يرى آخرون أن لكل مرحلة ظروفها السياسية والعسكرية المختلفة، وأن تحميل المسؤوليات يتطلب قراءة دقيقة تستند إلى الأدلة والوثائق، بعيدًا عن التعميم، مع مراعاة خصوصية كل سياق واختلاف الأطراف المنخرطة فيه.
وفي النهاية، تبقى الوقائع والأرقام من أهم المعايير التي يمكن الاستناد إليها عند قراءة التاريخ.
فكلما جرت مراجعة الأحداث استنادًا إلى الحقائق، وبعيدًا عن الاصطفافات السياسية والانفعالات الآنية، أصبحت القراءة أكثر اتزانًا وموضوعية، ويظل للقارئ حق تكوين استنتاجاته بنفسه انطلاقًا من الوقائع، لا من الشعارات.