اليوم أتحدث عن الأستاذ محسن حيدرة، وزير النقل، كونه نموذجا للمسؤول الذي جاء إلى المنصب محملا بخبرة العمل، لا بأوهام السلطة، فقد أدار أكبر دائرة في الخطوط الجوية اليمنية، وتولى إدارة عدد من مكاتبها في الخارج والداخل تدرج ذلك من موظف مختص في محافظة المهرة، مرورا بمنصب المدير التجاري أكبر قطاع في الشركة وصولا إلى وزير النقل ، مكتسبا احترام زملائه في الداخل والخارج وكل من تعامل معه، إنه من الرجال الذين يعرفون كيف يجعلون الصعب سهلا، وكيف يحولون التعقيدات إلى حلول.
والرجل الذي يعرف كيف يقرأ الشخصيات، ويميز بين من يمتلك المنصب ومن يمتلك المعرفة، يدرك أن الوزير محسن حيدرة رجل مشبع بالخبرة، حاضر الذهن، واسع الاطلاع، يعرف ماذا يقول ومتى يقوله، استمع إلى حديثه، وستكتشف أن خلف كلماته عقلا مرتبا وتجربة متراكمة، وأنه لا يتحدث من فراغ ولا يحتاج إلى التوقف طويلا بحثا عن إجابة، ولعل موقفه يوم قصفت المليشيات الإرهابية المطار يقدم شاهدا على ذلك، حين نزل إلى المطار ليلا وأدلى بتصريح أوضح فيه تفاصيل الموقف، متحدثا بثبات وتسلسل، دون ارتباك أو تردد، ففي لحظات كهذه، هنا تعرف حقيقة المسؤول حضوره وسرعة الاستيعاب والقدرة على ترتيب الوقائع تحت الضغط عن طبيعة الرجل الذي يقف أمام الشاشات في ظرف استثنائي.
حين وصل إلى وزارة النقل، اعتقد البعض أن الرجل سيجد نفسه أمام مؤسسة أكبر من قدرته على الإدارة، فهذه الوزارة أي وزارة النقل شبكة واسعة من المؤسسات والهيئات البحرية والجوية والبرية والموانئ، لكل منها مصالحها وملفاتها المتراكمة وتعقيداتها الخاصة، غير أن محسن حيدرة أثبت أن الخبرة الحقيقية تقاس بالقدرة على فهم الواقع والتعامل مع تناقضاته، فبدأ بمعالجة كثير من الملفات والاختلالات والمشكلات، واضعا خبرته العملية في مواجهة إرث ثقيل من التعقيدات.
ولكي نكون منصفين، فإن الوزراء ليسوا ملائكة، ولا يمكن الحكم على أداء أي مسؤول بمعزل عن الظروف التي يعمل فيها، فمنذ عام 2015، تعيش البلاد انقساما سياسيا ومؤسسيا ألقى بظلاله على مختلف أجهزة الدولة، ثم جاءت أحداث أغسطس 2019م لتضيف طبقة أخرى من التعقيد إلى واقع بالغ الصعوبة، وفي ظل هذه الظروف، تحولت بعض المؤسسات إلى ساحات للإقصاء والمحاباة، فكان من يأتي من المحافظات الشرقية يميل إلى إقصاء أبناء الغرب، ومن يأتي من الغرب لا يمنح أبناء الشرق ما يستحقه من اهتمام، وكأن المؤسسات العامة ملكيات جغرافية وليست مرافق وطنية.
هنا تحديدا تتجلى قيمة تجربة محسن حيدرة، الذي اختار أن يتعامل مع الوزارة باعتبارها مساحة تتسع للجميع، لا ساحة لتصفية الحسابات أو إعادة إنتاج الانقسامات، استوعب العاملين، ورتب أوضاعهم، وتعامل مع الجميع بمنطق الشراكة، وكأنه يقول إن الوزارة ليست ملكا لمن يتولى قيادتها، وإنما مسؤولية مشتركة تتسع لكل من يعمل فيها وحين تدخل الوزارة أو الهيئات التابعة لها، ترى الحضور المتنوع لأبناء الوطن، من عدن يافع والضالع وردفان ولحج وشبوة أبين وحضرموت والمهرة ومن مختلف مناطق البلاد المنقسمة، وهذه رسالة إدارية ووطنية مفادها أن المؤسسة تستطيع أن تكون مساحة للالتقاء، حتى حين تعجز السياسة عن جمع المختلفين.
إن قيمة المسؤول تظهر في البيئة التي يصنعها، وفي قدرته على إدارة الاختلاف دون أن يحوله إلى خصومة، وعلى حماية المؤسسة من أن تصبح امتدادا للانقسام الذي ينهش الدولة، ومن هذه الزاوية، يستحق محسن حيدرة أن يقرأ بوصفه مسؤولا يحاول أن يعيد الاعتبار لفكرة المؤسسة الجامعة، حيث لا يقصى الإنسان بسبب منطقته، ولا يحرم من مكانه لأن جغرافيته لا تشبه جغرافية من يجلس في قمة الهرم.