هناك لحظات في تاريخ الشعوب لا يكون فيها الصمت حكمة، بل تواطؤاً، وهناك قضايا لا تقبل أنصاف المواقف، لأن الوقوف في المنطقة الرمادية بين الحق والباطل ليس حياداً، وإنما انحيازٌ غير مباشر للباطل، مهما تزيّن بشعارات السياسة أو مقتضيات التفاوض .
ومن أخطر ما يمكن أن تواجهه الأمم أن تتحول العدالة إلى ورقة مساومة، وأن تُختزل دماء الشهداء في بنود تفاوض، وأن يصبح القضاء، وهو آخر حصون الدولة، رهينةً لحسابات السياسة وتقلبات المصالح .
إن ما يتردد عن محاولة إدراج أسماء خلية الارهاب الحوثي المدانين والمتهمين في جريمة اغتيال الشهيد البطل اللواء الركن ثابت مثنى جواس ورفاقه ضمن كشوفات تبادل الأسرى لا يمثل مجرد خطأ تفاوضي أو تقدير سياسي قابل للأخذ والرد، بل يمثل جريمة سياسية واخلاقية وتاريخية بحق أولئك الأبطال الذين انتصروا لقضايا الوطن فخذلت دمائهم في سوق النخاسة السياسية، ويمثل امتحاناً حقيقياً لهيبة الدولة، واستقلال القضاء، وصدق الالتزام بالمبادئ التي طالما رفعتها السلطات في وجه الإرهاب والجريمة.
أي عبث هذا الذي يجعل من الأحكام القضائية مجرد أوراق قابلة للتعليق كلما اقتضت الضرورات السياسية ؟
وأي رسالة تُوجَّه إلى المجتمع حين يرى أن من أدانتهم المحاكم، أو من لا تزال قضاياهم منظورة أمام القضاء، يمكن أن يتحولوا بقدرة المفاوضات إلى “أسرى” يخضعون للمقايضة ؟
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في خروج أشخاص بعينهم من السجن، بل في سقوط مبدأ، فإذا سقط مبدأ احترام القضاء، فلن يبقى للدولة من هيبتها إلا الاسم، ولن يبقى للقانون من سلطانه إلا الحبر الذي كُتبت به نصوصه، وسيصبح كل حكم قضائي معرضًاً للإلغاء متى ما حضرت السياسة وغابت العدالة .
لكن القضية، في حقيقتها، أعمق من ذلك بكثير .
إنها ليست قضية رجلٍ استشهد، مهما علت منزلته، وليست قضية أسرة مفجوعة أو منطقة منكوبة فحسب، بل هي قضية قيم ومبادئ وأهداف وطنية ارتوت بدماء آلاف الشهداء الذين آمنوا بأن الحرية لا تُمنح، وأن الكرامة لا تُستجدى، وأن الوطن لن يتحرر ولا يُبنى إلا بالتضحيات الجسام .
لقد قدم شعبنا في الجنوب، على امتداد عقود، قوافل من الشهداء في سبيل نيل حريته واستعادة دولته، وأن ينتصر للحق، وأن يحمي كرامته، وأن يصون هويته الوطنية، وأن يؤسس لدولة يكون فيها القانون سيداً، والعدالة ميزاناً، والوفاء للشهداء عهداً لا يُنتقض .
وكان الشهيد البطل اللواء الركن ثابت مثنى جواس أحد أولئك الرجال الذين لم يكتبوا أسماءهم في سجلات التاريخ بالحبر، بل نقشوها بدمائهم الزكية، وقف في أصعب المنعطفات، وحمل مسؤوليته الوطنية والعسكرية بثبات، وأسهم في معارك مفصلية تُعد جزءاً من الدفاع عن الأرض والكرامة والهوية، حتى أصبح رمزاً من رموز التضحية والصمود، وأحد الأعمدة التي يستحضرها كثيرون عند الحديث عن الانتصارات التي تحققت في مواجهة خصومهم .
ومن هنا، فإن التفريط بدمه ليس تفريطاً بحق فرد، وإنما تفريطٌ بمنظومة كاملة من القيم والمبادى والمُثل والأهداف التي استشهد من أجلها. لأن الشهيد لا يمثل نفسه وحده، بل يمثل الفكرة التي عاش لها، والمبدأ الذي قاتل دفاعاً عنه، والأمل الذي حمله في وطنٍ تُصان فيه الحقوق، ويُكرَّم فيه الشهداء، ولا يُكافأ فيه القتلة بالإفلات من العدالة .
وحين تُختزل دماء الشهداء في بند تفاوض، أو تُعامل وكأنها تفصيل يمكن تجاوزه لإتمام صفقة سياسية، فإن الرسالة التي تصل إلى الأجيال ليست أن السلام قد انتصر، بل أن التضحية فقدت معناها، وأن الوفاء أصبح مجرد شعار يُرفع في المناسبات، ثم يُلقى جانباً عند أول اختبار حقيقي .
إن الفرق قانوناً وأخلاقاً واضح، بين أسيرٍ في سياق حرب او نزاع مسلح وبين شخصٍ مدان أو متهم في قضية اغتيال أو جريمة إرهابية. والخلط بين هذين الوصفين لا يبدل الحقيقة القانونية، بل يفتح باباً خطيراً لتقويض العدالة، ويؤسس لسابقة قد تُستدعى كلما أُريد الالتفاف على أحكام القضاء تحت ضغط التوازنات السياسية .
لقد أثبت التاريخ أن الدول لا تنهار حين تواجه الإرهاب، وإنما تنهار حين تتخلى عن العدالة في مواجهة الإرهاب. فلا يمكن بناء سلامٍ حقيقي على أنقاض القضاء، ولا يمكن ترسيخ الاستقرار عبر طمس حقوق الضحايا، لأن السلام الذي يُشيَّد فوق الظلم لا يلبث أن يتحول إلى هدنة مؤقتة، بينما يبقى الجرح مفتوحاً في وجدان الشعوب .
ولذلك، فإن الموقف الذي عبّر عنه أبناء ردفان، بمشايخهم وقياداتهم وشخصياتهم الاجتماعية وأولياء دم الشهيد، ينبغي أن يُقرأ بوصفه دفاعاً عن سيادة القانون وحرمة الدم، ودفاعاً عن الأهداف والقيم والمبادئ التي ضحئ في سبيلها آلاف الشهداء، لا مجرد موقف مناطقي أو عاطفي، فهو موقف ينطلق من الإيمان بأن العدالة ليست حقاً لأسرة الشهيد وحدها، بل هي حق للمجتمع بأسره، وضمانة لمستقبل الدولة .
إن الأمم التي تحفظ شهداءها تحفظ مستقبلها، والأمم التي تساوم على دمائهم تفرط في ذاكرتها، وتبدد رصيدها الأخلاقي، وتهدم الأساس الذي قامت عليه تضحيات أبنائها، فلا كرامة لوطنٍ يساوم على دماء من دافعوا عنه، ولا هيبة لدولة تتراجع عن حماية القضاء، ولا مستقبل لشعب إذا شعر أبناؤه أن التضحية قد لا تجد من يصونها.
إن المسؤولية اليوم تقع على عاتق كل من يملك القرار، فإن كان الهدف من أي مفاوضات هو إنهاء الصراع، فإن إنهاء الصراع لا يكون بإهدار العدالة، ولا بإضعاف القضاء، ولا بإرسال رسالة مفادها أن الجريمة يمكن أن تُمحى بقرار سياسي .
فليعلم الجميع أن الدول تُقاس بعدالتها قبل قوتها، وبوفائها لشهدائها قبل نجاحها في عقد الصفقات، وأن القضاء إذا أُهين مرة، فلن يكون من السهل استعادة هيبته، وأن دماء الشهداء إذا تحولت إلى مادة للمساومة، فلن يبقى في ذاكرة الوطن ما يستحق أن يُدافع عنه .
إن الشعوب العظيمة لا تخلّد شهداءها بالبكاء عليهم، وإنما بحماية المبادئ التي استشهدوا من أجلها. ومن يفرّط في دماء الشهداء، يفرّط في الوطن الذي دافعوا عنه، وفي القيم التي حملوها، وفي المستقبل الذي حلموا به. أما الأوطان التي تصون دماء أبطالها، فهي وحدها التي تستحق أن يكتب لها البقاء، وأن تظل رايتها مرفوعة، وضميرها حياً وتاريخها ناصعاً أمام الأجيال..