في اللحظات الفارقة من تاريخ الشعوب، لا يكون الإعلام مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل يتحول إلى سلاح وعي، وخط دفاع متقدم عن الهوية والقضية الوطنية.
واليوم، بينما يخوض الجنوب معركته السياسية والإعلامية في آنٍ واحد، تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في طبيعة العلاقة بين المنابر الإعلامية الجنوبية، بعيدًا عن منطق الصراع الداخلي، وباتجاه التنافس الإيجابي الذي يخدم القضية من زوايا متعددة.
إن اختلاف الرؤى بين وسائل الإعلام الجنوبية أمر طبيعي، بل وصحي، ما دام الهدف المشترك هو خدمة الجنوب والدفاع عن تطلعات شعبه.
فالقضايا الوطنية الكبرى لا تحتاج إلى صوت واحد بقدر حاجتها إلى أصوات متعددة تتكامل أدوارها وتتقاطع عند الهدف الوطني الجامع.
فكل منبر قادر على مخاطبة شريحة مختلفة، وكل قلم يستطيع أن يضيء جانبًا قد لا يلتفت إليه الآخرون، وهو ما يثري المشهد الإعلامي ويمنحه قوة وتأثيرًا أكبر.
غير أن ما يثير القلق أحيانًا هو انشغال بعض الأقلام والمنابر بتوجيه سهامها نحو شركائها في الساحة الجنوبية، في الوقت الذي تواجه فيه القضية الجنوبية ماكينة إعلامية معادية ضخمة تمتلك الإمكانات والموارد والخبرات وتسعى بشكل مستمر إلى تشويه الحقائق وإرباك الوعي العام وإضعاف الحضور الجنوبي في المشهد السياسي والإعلامي.
وفي ظل هذا الواقع، يصبح من غير المنطقي أن نستهلك جهودنا في معارك جانبية تستنزف الطاقات وتشتت الانتباه عن المعركة الحقيقية. فبدلًا من تصويب الأقلام نحو بعضنا البعض، ينبغي أن تتجه نحو كشف حملات التضليل ومواجهة الخطاب المعادي وتعزيز الرواية الجنوبية وتقديمها للرأي العام بمهنية واقتدار.
ولا يعني ذلك إلغاء النقد أو التغاضي عن الأخطاء، فالنقد المسؤول يظل ضرورة لأي عمل إعلامي يسعى إلى التطور. لكن هناك فرقًا كبيرًا بين النقد الذي يهدف إلى التصحيح والبناء، وبين الحملات التي تتحول إلى تخوين وتشويه وإقصاء. الأول يعزز الأداء ويرفع مستوى المهنية، أما الثاني فلا ينتج سوى الانقسام وإضعاف الجبهة الإعلامية الجنوبية.
إن قوة الإعلام الجنوبي لا تكمن في تشابه منابره، بل في قدرتها على التنوع والتكامل.
فكما تتعدد الجبهات في المعارك الوطنية، تتعدد أيضًا زوايا المعالجة الإعلامية وأساليب الطرح والخطاب، وهو ما يمنح القضية مساحة أوسع للحضور والتأثير والوصول إلى مختلف الشرائح.
واليوم، أكثر من أي وقت مضى، يحتاج الجنوب إلى إعلام يؤمن بأن الاختلاف لا يعني العداء، وأن التنافس لا يعني التناحر، وأن تعدد المنابر ليس نقطة ضعف بل مصدر قوة إذا ما وُجه نحو خدمة الهدف المشترك.
فالقضية الجنوبية أكبر من أي مؤسسة أو شخصية أو وسيلة إعلامية، وما يجمع أبناءها أكبر بكثير مما يفرقهم.
لنجعل من اختلافنا تنوعًا، ومن تعدد منابرنا قوة، ومن تنافسنا سباقًا في خدمة القضية الجنوبية، لا معركة تستنزف الجهود وتمنح خصومها فرصة مجانية لتحقيق ما عجزوا عن تحقيقه في ميادين أخرى.