تتواصل أزمة الكهرباء في العاصمة عدن والمحافظات الجنوبية، لتتحول من أزمة خدمية مؤقتة إلى أحد أبرز التحديات التي تؤثر بشكل مباشر على حياة المواطنين والأنشطة الاقتصادية والخدمية. ومع تزايد الطلب على الطاقة الكهربائية خلال السنوات الأخيرة، باتت القدرة التوليدية المتاحة عاجزة عن تلبية الاحتياجات الفعلية، في ظل الاعتماد المستمر على حلول إسعافية قائمة على توفير الوقود وتشغيل محطات متهالكة تعاني من الأعطال المتكررة. ويؤكد مختصون في قطاع الطاقة أن إنهاء معاناة المواطنين في عدن والمناطق الجنوبية يتطلب تبني مشاريع استراتيجية طويلة الأمد، تشمل إنشاء محطات توليد حديثة وتطوير البنية التحتية للشبكة الكهربائية، بدلاً من الاستمرار في المعالجات المؤقتة التي تستنزف الموارد دون تحقيق استقرار حقيقي للخدمة. وفي ظل التحديات الاقتصادية وتراجع الموارد الإيرادية، تبرز الحاجة إلى رؤية حكومية واضحة وشراكات داعمة تضع ملف الكهرباء ضمن أولوياتها باعتباره أحد أهم متطلبات الاستقرار والتنمية.
وفي ظل استمرار الانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي وارتفاع درجات الحرارة، يعيش سكان العاصمة عدن والمحافظات الجنوبية أوضاعًا إنسانية صعبة، حيث لم يعد الكثير من المواطنين قادرين على الحصول على قسط كافٍ من النوم بسبب ساعات الإطفاء الطويلة وانعدام وسائل التبريد الأساسية.
وأدت تفاقم الأزمة إلى تصاعد حالة الغضب الشعبي في مدينة عدن، حيث شهدت بعض المديريات احتجاجات وقطعًا للطرقات تعبيرًا عن الاستياء من تدهور خدمة الكهرباء. كما اضطر عدد من المواطنين إلى افتراش جوانب الطرقات والأماكن المفتوحة لقضاء ساعات الليل خارج منازلهم، هربًا من موجات الحر الشديدة وانقطاع التيار الكهربائي المستمر، في مشهد وصفه مراقبون بأنه يعكس حجم المعاناة غير المسبوقة التي يعيشها السكان، ويؤكد الحاجة الملحة إلى حلول جذرية ومستدامة تنهي هذه الأزمة المتفاقمة.
احتياج فعلي يبلغ 1500 ميجاوات والمتوفر لا يتجاوز 200 ميجاوات
تتفاقم أزمة الكهرباء بشكل متواصل في المناطق المحررة، وسط تأكيدات بأن الحلول الإسعافية القائمة على شراء الوقود لم تعد قادرة على معالجة الانهيار المتكرر في خدمة الطاقة، في ظل فجوة كبيرة بين الاحتياج الفعلي والمتوفر من القدرة التوليدية.
ويشير مختصون إلى أن الأحمال الكهربائية المطلوبة تصل إلى نحو 1500 ميجاوات، بينما لا يتجاوز المتاح فعليًا 200 ميجاوات فقط، وهي قدرة لا تعمل بشكل مستقر نتيجة النقص المستمر في وقود الديزل اللازم لتشغيل المحطات القائمة.
دعوات لإنشاء محطتين استراتيجيتين لتغطية الاحتياج
ويرى اقتصاديون ومهندسون أن معالجة الأزمة تتطلب الانتقال من الحلول المؤقتة إلى مشاريع استراتيجية مستدامة، تتمثل في إنشاء محطتين رئيسيتين لتوليد الطاقة.
وتتضمن المقترحات إنشاء محطة كهروحرارية بقدرة إنتاجية تصل إلى 800 ميجاوات، إلى جانب محطة غازية بقدرة 700 ميجاوات، بما يحقق قدرة إجمالية تلبي الاحتياجات الحالية للشبكة الكهربائية.
وبحسب التقديرات المطروحة، فإن تكلفة إنشاء المحطتين، بالإضافة إلى تطوير الشبكة الداخلية والمحطات التحويلية، لن تتجاوز مليار دولار.
توقف الموارد الدولارية يفاقم الأزمة
ويؤكد مراقبون أن أزمة الكهرباء ترتبط بشكل مباشر بتراجع الموارد المالية للدولة، نتيجة توقف تصدير النفط وتعثر العديد من المرافق والموارد الإيرادية التي تدر العملات الأجنبية، لأسباب سياسية معروفة.
وأشاروا إلى أن الآمال كانت معلقة على دعم إقليمي لتطوير البنية التحتية للكهرباء وإنشاء محطات توليد جديدة، إلا أن تلك التطلعات لم تتحقق بالشكل المأمول.
وفي هذا السياق، يلفت مختصون إلى أن مشاريع معلنة سابقًا، من بينها مشروع للطاقة الشمسية، لم ترَ النور رغم الإعلان عنها في فترات سابقة.
الطاقة الشمسية ليست مسؤولية جهة واحدة
ويرى خبراء أن معالجة ملف الطاقة، بما في ذلك مشاريع الطاقة الشمسية، تتجاوز قدرات رئاسة الحكومة أو وزارة المالية أو أي جهة منفردة، في ظل غياب الإيرادات الكبيرة اللازمة لتمويل المشاريع الاستراتيجية.
وأكدوا أن تطوير قطاع الكهرباء يحتاج إلى رؤية وطنية شاملة، وشراكات تمويلية حقيقية، وخطط طويلة الأمد تضمن استدامة الخدمة.
دعوات لرئاسة الوزراء لتبني مشاريع إنتاجية دائمة
وكتب محللون واقتصاديون أن على رئاسة الوزراء التركيز على إعداد الدراسات الفنية والاقتصادية اللازمة لإنشاء محطات توليد جديدة، بدلاً من الاعتماد المستمر على المنح الطارئة وشراء الوقود كحل مؤقت.
وأشاروا إلى أن الاستثمار في البنية التحتية للطاقة يمثل الخيار الأكثر جدوى على المدى البعيد، سواء من حيث التكلفة أو استقرار الخدمة.
مهندسون: محطات المازوت أكثر كفاءة وأقل تكلفة تشغيلية
من جانبه، أوضح المهندس سامح عدي أن الاستمرار في شراء كميات كبيرة من الديزل لا يمثل حلاً اقتصاديًا مجديًا، داعيًا إلى التوسع في إنشاء محطات تعمل بالمازوت.
وأشار إلى أن تشغيل المصافي المحلية مستقبلاً سيسهم في توفير المازوت بأسعار منخفضة للمحطات الكهروحرارية، ما سينعكس إيجابًا على خفض تكلفة إنتاج الكهرباء وتقديم خدمة أكثر استقرارًا واستمرارية للمواطنين.
الحاجة إلى قرار استراتيجي
ويجمع مختصون على أن أزمة الكهرباء لن تُحل عبر المعالجات الإسعافية أو التدخلات المؤقتة، وإنما تتطلب قرارًا استراتيجيًا يتبنى مشاريع إنتاجية مستدامة قادرة على تلبية الطلب المتزايد على الطاقة، بما يسهم في دعم التنمية وتحسين الخدمات الأساسية للمواطنين.