تبدو السياسة في كثير من السياقات العربية مجالا سريع التحول في الأحكام يتقدم فيه الانطباع على التحليل ويعلو فيه صوت الاتهام على صوت الفهم وفي مثل هذه البيئات يصبح من السهل أن يعاد تعريف القادة وفق لحظة عابرة وأن يختزل تاريخ طويل من المواقف في واقعة واحدة أو زيارة أو تصريح منفصل عن سياقه.
تقييم المواقف السياسية يحتاج إلى مسافة زمنية ومعرفية لأن الفعل السياسي لا ينفصل عن البيئة التي أنتجه ولا عن التحولات الإقليمية والدولية التي تحيط به فالمواقف ليست خطوطا مستقيمة وإنما مسارات تتشكل تحت ضغط الوقائع وتتغير أدواتها مع تغير الظروف مع بقاء الفكرة المركزية التي تحكمها في العمق.
في هذا السياق يتعرض القائد صلاح الشنفرة- رئيس المجلس الأعلى للحراك الجنوبي لقراءات متباينة تتراوح بين الاتهام بالتخلي عن المبادئ وبين التأويل الذي يرى في تحركاته الأخيرة تغييرا في البوصلة السياسية غير أن مقاربة هذا النوع من الشخصيات لا يمكن أن تبنى على لحظة واحدة لأن المسار السياسي له تاريخ ممتد تتراكم فيه الأفكار قبل أن تتحول إلى مواقف علنية.
أعرف هذا الرجل منذ المراحل الأولى لتشكل الحراك الجنوبي عندما كان حاضرا في موقع نائب رئيس المجلس ثم في مرحلة لاحقة عندما تولى رئاسته وقد جرى بيننا حديث مطول في عام 2014 كان أقرب إلى قراءة سياسية مفتوحة للمشهد الإقليمي بالتفصيل .
في ذلك اللقاء كان حديثه ينطلق من قناعة أساسية تتعلق بطبيعة الاصطفافات الإقليمية في المنطقة كان يرى أن الرهان على إيران في سياق القضية الجنوبية يفتقر إلى أساس واقعي بالنظر إلى طبيعة تحالفاتها الإقليمية وأن هذا الرهان قد لا ينتج عنه دعم لمشروع استعادة دولة جنوبية لأن الحسابات الإقليمية أوسع من الشعارات السياسية التي تطرحها الأطراف المحلية حيث ان ايران داعمة الحوثي والحوثي يريد كل اليمن لنكتشف مؤخرا ان ايران كانت تناور مع القيادة الجنوبية التي ذهبت الى ايران او ضاحية بيروت حيث هرولت تلك القيادات الجنوبية التي ذهبت هناك بشكل جماعي ،ولكنها عادت القيادات الى رشدها وقاتلت إلى جانب قيادات الثورة الجنوبية وأدركت انها وقعت في تحالف الخطيئة السياسية بعد عام 2011م،وليس عيب أن نخدع مرة ولكن العيب أن لا نتعلم من الدروس السابقة .
في المقابل كان الشنفرة يضع المملكة العربية السعودية في موقع مختلف داخل تصوره السياسي من حيث الثقل الجغرافي والتاريخي والسياسي ومن حيث قدرتها على التأثير في مسار الأحداث في اليمن عموما والجنوب خصوصا كان يعتبر أن التعامل مع هذا المعطى الإقليمي ضرورة سياسية لا يمكن تجاوزها في أي مشروع يسعى إلى الاستمرار،خلال كل السنين الفارطة كلما زرته أو اتصلت به وهو متمسك بهذا الرأي .
فقد كان يكرر موضوع أهمية السعودية بصيغ مختلفة في أكثر من مناسبة لاحقة حيث ظل يؤكد أن العلاقة مع السعودية تمثل عنصرا حاسما في أي معادلة سياسية وأن تجاهل هذا العنصر يؤدي إلى اختلال في قراءة الواقع الإقليمي وفي أحاديث أخرى كان يوجه نصائح مباشرة لبعض القيادات من بينها القائد عيدروس الزبيدي قبل الأحداث الاخيرة التي حصلت في حضرموت بداية هذا العام نصحه بضرورة بناء علاقة سياسية مستقرة ومتوازنة مع المملكة باعتبارها طرفا محوريا في المشهد.
مع تطور الأحداث بعد عام 2014 دخل اليمن مرحلة مختلفة بالكامل توسع الحوثيون نحو مناطق الجنوب وتغيرت خريطة الصراع ثم جاءت عملية عاصفة الحزم بقيادة المملكة العربية السعودية لتعيد تشكيل موازين القوة على الأرض وتفتح مسارا جديدا للتدخل الإقليمي المباشر في الأزمة اليمنية وفي الوقت نفسه عادت قيادات جنوبية إلى واجهة المشهد السياسي بعد سنوات من الإقصاء الذي أعقب حرب عام 1994م حيث بات البعض وزراء ومحافظين ومدراء شرط وتبوءوا مواقع هامة في السلطة .
هذه التحولات لم تكن هامشية فقد أعادت تعريف طبيعة الفاعلين السياسيين في اليمن وأعادت أيضا تعريف العلاقات بين القوى المحلية والإقليمية في مثل هذا السياق يصبح من الطبيعي أن يعيد كثير من الفاعلين السياسيين صياغة أدواتهم وخطابهم لأن البيئة التي يتحركون فيها لم تعد هي ذاتها.
ضمن هذا الإطار لم يظهر صلاح الشنفرة في أي مرحلة بموقف قطيعة مع التصور الذي عبر عنه في السابق تجاه السعودية ظل ينظر إلى المملكة بوصفها طرفا إقليميا مركزيا وأن التعامل معها ضرورة سياسية تفرضها الجغرافيا والتاريخ وتوازنات القوة هذا الثبات في الرؤية سواء تم الاتفاق معه أو الاختلاف حوله يشير إلى وجود خط فكري ممتد أكثر من كونه سلسلة من المواقف المتقطعة.
إثارة مسألة التبدل في مواقفه تحتاج إلى تفكيك دقيق لمفهوم التبدل ذاته فهل المقصود هو تغيير في المبادئ أم إعادة ترتيب للأولويات السياسية وفق متغيرات الواقع كثير من الخلط في الخطاب السياسي يأتي من عدم التمييز بين هذين المستويين فالثبات لا يعني الجمود كما أن التكيف لا يعني التراجع.
القراءة السطحية للمواقف السياسية تجعل من كل حركة خارج التوقعات دليلا على الانحراف في حين أن القراءة التاريخية ترى في التحول جزءا من طبيعة السياسة نفسها فالقوى السياسية التي لا تعيد تقييم أدواتها في ضوء المتغيرات تفقد قدرتها على الاستمرار في حين أن القوى التي تخلط بين المبدأ والتكتيك تقع في أسر التفسير الأخلاقي لكل اختلاف.
من هنا تصبح مسألة التخوين أو التشكيك في النوايا السياسية مدخلا خطيرا داخل أي حركة سياسية لأنها تنقل النقاش من مستوى الأفكار إلى مستوى الشخصنة ومن مستوى التحليل إلى مستوى الإدانة وعند هذه النقطة تتراجع السياسة بوصفها مجالا للفهم وتتحول إلى ساحة لتصفية الرموز .
الاختلاف حول دور السعودية في المشهد الجنوبي تحديدا هو اختلاف سياسي مشروع بعض الأطراف ترى فيها حليفا استراتيجيا وأخرى تراها طرفا معقدا في المعادلة الإقليمية غير أن تحويل هذا الاختلاف إلى معيار لتقييم الولاء أو التخلي عن المبادئ يؤدي إلى إفقار النقاش العام ويمنع إنتاج رؤية سياسية ناضجة.
إن التجربة السياسية في الجنوب بما فيها تجربة الحراك وما تلاها من تحولات تكشف أن المواقف لا تفهم خارج سياقها التاريخي فكل مرحلة أنتجت قراءتها الخاصة وكل قراءة تأثرت بميزان القوة في لحظتها وفي هذا السياق يصبح من الضروري إعادة الاعتبار للفهم التحليلي بدل الأحكام السريعة.
صلاح الشنفرة في هذا الإطار يمثل حالة يمكن قراءتها بوصفها امتدادا لرؤية سياسية مستقرة تجاه العلاقة مع الإقليم مع اختلاف في أدوات التعبير تبعا لتغير المرحلة والاتفاق أو الاختلاف مع هذه الرؤية يظل حقا مشروعا غير أن الإنصاف يقتضي قراءة المسار الكامل لا اقتطاع جزء منه من سياقه لأن صلاح منذ البداية وإلى اليوم كان يقول ان السعودية حليف قوي والتمسك بالقوي أفضل من التمسك بالضعيف،ومادامت السعودية تقول انها مع حق شعب الجنوب في تقرير مصيره واستعادة دولته فهذا بصالحنا ولن يقول غير ذلك إلا من له مصالح خاصة .
في النهاية تبقى السياسة مجالا مفتوحا للتعدد ويظل الفهم أعمق من الحكم والتحليل أوسع من الانطباع وكل قراءة لا تنطلق من هذا الوعي ستظل أسيرة اللحظة بينما التاريخ لا يكتب بلحظة واحدة وإنما بتراكم طويل من المواقف المتداخلة والمتغيرة.